أولاً: أن نظرية الظروف الطارئة وسيلة من وسائل إقامة العدل الذي هو من أهم مقاصد الشريعة في باب المعاملات، والله - عز وجل - لم يحصر طرق العدل وأدلته وعلاماته في شيء من الطرق دون غيرها، بل (( إذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه ) ) [1] . (( فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين ) ) [2] ؛ لأن (( الطرق أسباب ووسائل لا تراد لذواتها، وإنما المراد غاياتها ) ) [3] .
ويتبين وجه تحقيق العدل في تفعيل نظرية الظروف الطارئة في حلِّ ما يترتب على التضخم النقدي من اختلال العلاقات التعاقدية بأنه بمقتضى هذه النظرية يعاد التوازن بين التزامات طرفي العقد بما يحقق العدل وتحصل به مصلحة الطرفين. إذ إن في إيجاب رد مثل ما ترتب في ذمة المدين في هذه العقود، دون اعتبار لما طرأ من نقص في القيمة التبادلية للنقود إغفالاً للعدل الذي لا تستقيم معاملات الناس إلا به؛ لأن تغير القيمة عن وقت التعاقد تغيراً كبيراً يؤدي إلى ظلم أحد طرفي العقد بما لم تجر العادة بمثله، مما يستوجب تعديل الالتزام بما يحقق العدل وتحصل به مصلحة الطرفين.
ثانياً: أن نظرية الظروف الطارئة وسيلة من وسائل تحقيق الرضا الذي جعله الله شرطاً لإباحة التجارات كما في قول الله - عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [4] . وذلك أن العوض في العقود والالتزامات الآجلة ليس هو العوض الذي رضي به مستحقه قبل انخفاض القيمة
(1) الطرق الحكمية ص (13) .
(2) بدائع الفوائد (3/ 132) .
(3) إعلام الموقعين (4/ 373) .
(4) سورة النساء، من آية: (29) .