ويرفع، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد عندي مظلمة )) [1] .
وجه الدلالة في الحديثين:
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - امتنع من التسعير وجعله مظلمة يرجو ألا يلقى الله بها. ووجه الظلم في التسعير أن الناس مسلطون على أموالهم، والتسعير حجر عليهم، وإجبار لهم على ما لا يرضون وهذا ظلم لهم [2] .كما أن (( الإمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين، وليس نظره في مصلحة المشتري برخص الثمن أولى من نظره في مصلحة البائع بتوفير الثمن ) ) [3] ، فمراعاة أحدهما ظلم للآخر.
سادساً: أن التسعير قد يفضي إلى اختلال قانون العرض والطلب فيحصل بذلك خلل في الأنشطة الاقتصادية. ومن أبرز ذلك غلاء الأسعار وارتفاعها؛ لأن كثرة القيود على التجارة والاستثمار يؤدي غالباً إلى صرف التجار والمستثمرين إلى أسواق أقل قيوداً، فيطلبون لسلعهم أسواقاً لا يكرهون فيها على البيع بغير ما يريدون، وهذا يؤدي إلى قلة العرض فيرتفع السعر. وكذلك قد يحمل التسعير أصحاب السلع والخدمات إلى أن يمتنعوا من بيعها, بل يكتمونها فيطلبها المستهلكون فلا يجدونها إلا قليلاً, فيرفعون في ثمنها؛ ليصلوا إليها, فتغلو بذلك الأسعار. ويحصل الإضرار بالجانبين: جانب الملاك في منعهم من بيع أملاكهم, وجانب المشتري في منعه
(1) أخرجه أبوداود في كتاب البيوع والإجارات، باب ما جاء في التسعير، رقم (3450) .
وقد صححه ابن عبد البر في الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار (20/ 78) ، وقال عنه الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (3/ 14) : (( إسناده حسن ) ). وكذلك قال عنه العجلوني في كشف الخفاء (2/ 474) .
(2) ينظر: المنتقى شرح الموطأ للباجي (5/ 19) ، الحاوي الكبير للماوردي (5/ 409) ، الطرق الحكمية ص (216) .
(3) عون المعبود (9/ 230) . وقوله: (( بتوفير الثمن ) )، أي: تكثيره.