العلة الثالثة: (أن هذا الحديث شاذ) ووجه الشذوذ أنه لم يرو هذا الحديث عن ابن عمر إلا ابنه عبيد الله وابنه عبد الله، قالوا أين أصحاب عبد الله بن عمر - سادة التابعين - عن هذا الحديث العظيم؟ سالم، ومجاهد - باعتبار أنه رواه موقوفًا لم يقف على الطريق المرفوع - كل هؤلاء أين هم عن هذا الحديث العظيم؟؟.
العلة الرابعة: (أن الحديث لم يبين مقدار القلتين) ويحال أن الشارع يُحيل الناس على أمر غير معروف المقدار.
وأجابوا عن هذا بأن القلتين معروفتان، وهما قلال هجر لأمرين:
-الأمر الأول: أن هذا وارد في بعض الطرق، وهذه الطرق ضعيفة.
-الأمر الثاني: أن القلال إذا أطلقت عند العرب فإنما تنصرف إلى قلال هجر.
(( أذان العشاء ) )
إذن أجابوا عن هذا التعليل بما ذكرت لك من محاولة تحديد مقدار القلتين بالقلال المشهورة في زمن الصحابة.
الراجح: هذا الحديث لولا أن البخاري، وأحمد، والدار قطني صححوه لكنت أرى بلا تردد أنه حديث ضعيف، لكن أقول كما قال الخطابي: يكفي أن مشاهير العلماء من أهل العلم المتقدمين صححوه، كأنه يركن إلى هذا، ومما يدل علي تردد القول في هذا الحديث أن شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع قال: هذا الحديث لا يصح مرفوعًا وإنما هو موقوف على ابن عمر، كان يفتي بهذا فظن ابنه عبيد الله أن هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي موضع آخر قال: (وهو حديث صحيح ثابت صححه الأئمة مرفوعًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -) فتردد قوله.
أما المزي، وابن القيم فيجزمون بعدم صحة الحديث.
هو في الحقيقة حديث لولا تصحيح الأئمة لكان الإنسان ما يتوقف أبدًا بتضعيفه:-
-أولًا: لأنه غير معروف المقدار مطلقًا، القلتين إذا رجعت للتحديد ستجد عشرات الأقوال.
-ثانيًا: أنه يعارض الأحاديث الصحيحة، فالحديث السابق إن الماء طهور لا ينجسه شيء حديث ثابت صحيح لم يضعفه أحد، وهو يعارض هذا الحديث، ودائمًا من علامات ضعف الحديث (أن يكون معناه معارضا لمعاني أحاديث أخرى صحيحة) ، لكن لما رأينا أن الإمام أحمد، والدار قطني هؤلاء، وابن معين يصححون هذا الحديث الإنسان لا يجرأ طرفة عين أنه يخالف مثل هؤلاء، لا سيما أننا لم نجد واحدا من المتقدمين على الأقل يكون له رأي بالتضعيف حتى الواحد يركن إلى قوله؛ ولذلك أنا أقول أنا أرى أن هذا الحديث صحيح تقليدًا لهؤلاء الأئمة، وإلا من حيث النظر لأوجه كثيرة هذا الحديث لا يصح.
هذا والله أعلم وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.