أحسن الأمثلة على تعليل الحديث بمتنه مع سلامة إسناده، وأنا أعتقد أن هذا الحديث لا يصح وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقله - صلى الله عليه وسلم -؛ لمصادمته الصريحة للأحاديث التي ذكرت وهي ثابتة.
أما الفقه فسنؤجله إلى أن نستكمل الكلام عن الأحاديث الثلاثة التي ذكرها المؤلف في موضوع الوضوء بفضل المرأة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى
حديث ميمونة في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل بفضلها
هذا الحديث في مسلم لكن فيه إشكال وهو: أن البخاري ومسلم أخرجا بإسناد أصح من هذا الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل هو وميمونة - أي يغتسلا معًا-، وهذا الحديث يدل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل بفضل ميمونة يعني أنه يأتي بعد ميمونة هنا في إشكال.
-فمن المحدثين من أعل هذا بالثاني وقال اللفظ المحفوظ هو أنهما اغتسلا جميعًا
-ومن الفقهاء من قال: بل هذا حديث وهذا حديث، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - تارة اغتسل معها وتارة بفضلها - صلى الله عليه وسلم -، وإلى هذا الثاني مال الحافظ بن رجب - وهو الصحيح - أنهما حديثان مختلفان.
قوله: اغتسل بفضل ميمونة , الفضل هو: ما يتبقى بعد التطهر وقوله في الحديث السابق نهى أن يغتسل الرجل بفضل المرأة والمرأة بفضل الرجل وليغترفا جميعًا , كذلك الفضل في هذا الحديث الأول معناه ما يتبقى بعد الطهارة.
وقوله في الحديث السابق (عن رجل) وليغترفا جميعًا , الاغتراف: من العلماء من قال:
-هو أخذ الماء باليدين
-ومن العلماء من قال: هو أخذ الماء باليد ولا يشترط أن يكون باليدين فأخذ الماء باليد أيضًا اغتراف.
-والصحيح هو: هذا الثاني أنه أخذ الماء باليد ولا يشترط أن يأخذه بيدين.
الحديث الأخير في فضل طهور المرأة:
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
9/ 9 ولأصْحَابِ السُّنَنِ: اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - في جَفْنَةٍ، فَجَاءَ ليَغْتَسِلَ مِنْهَا، فَقَالَتْ له: إنِّي كنْتُ جُنُبًا، فَقَالَ: «إنَّ الماءَ لاَ يُجْنِبُ» . وَصَحَّحَه التِّرْمِذِي، وابْنُ خُزَيْمَةَ.
هذا الحديث أخرجه أصحاب السنن واختلف العلماء في تصحيحه وتضعيفه، فذهب الإمام الترمذي وإليه ميل الحافظ ابن عبد البر إلى أنه صحيح، وذهب الإمام أحمد والحافظ ابن حزم والحافظ ابن رجب إلى أنه ضعيف.
سبب الضعف: هذا الحديث رواه الإمام الثوري - رحمه الله وغفر له - (الإمام الكبير) , ورواه شعبة كلاهما عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس , والذين ضعفوه أعلوه بعدة علل:
-العلة الأولى: أن رواية سماك عن عكرمة فيها ضعف واضطراب.
-العلة الثانية: أن سماك تفرد بهذا الحديث عن عكرمة مع كون روايته عنه مضطربة فجمع بين الاضطراب والتفرد.
-الثالثة: أن من الحفاظ من ضعف سماك مطلقًا في عكرمة وفي غير عكرمة.
-الرابعة: أن هذا الحديث رواه شعبة عن سماك مرسلًا يعني لم يذكر ابن عباس.