التفقه في الحديث وجودة الاستنباط أصعب من الحفظ؛ ولهذا الذين يحفظون كُثر، والذين يستنبطون قلة نادرة في عصر الإمام أحمد فما بالك في عصرنا نحن.
وليبين لنا أن هذا قلة - وهو النظر في الحديث واستيعابه - , لاحظ معي ماذا قال الإمام أحمد في إشارته للاهتمام والعناية بفقه الحديث، يقول الإمام أحمد: (لاحظ عبارة الإمام) قال أحمد بن حنبل للحسين الكرابيسي: (ما فهمنا استنباط أكثر السنن إلا بتعليم الشافعي إيانا) .
الإمام أحمد متأخر بعد التابعين وجالَس أمما من أهل العلم والحفظ والفهم - أشراف الناس وساداتهم - يقول: ما فهمنا استنباط أكثر السنن إلا بتعليم الشافعي إيانا.
يقول: (لولا الشافعي ما عرفنا فقه الحديث) ويقول: (كان الفقه قُفلا على أهله حتى فتحه الله بالشافعي) .
ويقول صالح ابنه (ابن الإمام أحمد) : (جاء الشافعي يوما إلي أبي يعوده , وكان عليلا فوثب أبي إليه فقبل بين عينيه - رحمهما الله - , ثم أجلسه في مكانه وجلس بين يديه) المجلس مجلس الإمام أحمد فأجلسه في المجلس، وهو جلس بين يديه مع أن هذه القصة كانت والإمام أحمد إمام كبير , قال: (فجعل يسائله ساعة، فلما وثب الشافعي ليركب قام أبي فأخذ بركابه ومشي معه(يمشي معه بجانب البغلة) ، فبلغ ذلك يحيي ابن معين فوجه إلى أبي: يا أبا عبد الله يا سبحان الله أضطرك الأمر إلى أن تمشي إلى جانب بغلة الشافعي؟؛ لأنه كان إماما كبيرا (الإمام أحمد) فقال له أبي: وأنت يا أبا زكريا لو مشيت من الجانب الآخر لانتفعت به قال: ثم قال أبي: من أراد الفقه فليشم ذنب هذه البغلة).
وقال محمد بن مسلم الرازي: قدِمت من مصر فدخلت على أحمد بن حنبل فقال لي: من أين جئت (لاحظ) قلت: جئت من مصر , قال أَكَتبت كتب الشافعي قلت: لا , قال: فلِم؟ ثم قال الإمام أحمد: (لاحظ) (ما عرفنا ناسِخ سنن رسول الله من منسوخها ولا خاصها من عامها ولا مجملها من مفسرها حتى جالسنا الشافعي) .
إذًا هذا هو فقه الحديث، أن تعرف معناه وناسخه من منسوخه وعامه من خاصه.
أخيرا يقول الإمام أحمد (لاحظ تركيز الإمام أحمد) , الإمام أحمد ما يُنقل عنه من العلم قليل فتاويه قليلة، ولاحظ كثرة ما ننقل الآن عن هذا الموضوع عن الإمام أحمد يقول: (ما كان أصحاب الحديث يعرفون معاني حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى قدم الشافعي فبين لهم) ثم قال الإمام أحمد: (ما أحد مس بيده محبرة وقلمًا إلا وللشافعي في عنقه مِنَّة) .
اهتمام الإمام أحمد بالشافعي ينبع من أهمية ما صنعه الشافعي، وهو تقريب فقه الحديث ومعرفة مدلولات الألفاظ هذا أمر.
الأمر الثاني: وهو ما قبل الأخير حتى تعرف ما سبب اهتمام الإمام أحمد بهذا الأمر نقلت لك هنا نتفًا يسيرة ذكرها الإمام الحافظ ابن القيم في بدائع الفوائد، وهي أراد منها الإشارة إلى أهمية الاستنباط لكن من خلال أمثلة تطبيقية.
يقول الإمام ابن القيم: (والنبي - صلى الله عليه وسلم - أولُ مَن بَين العلل الشرعية , والمآخذ , والجمع والفَرق , والأوصاف المعتبرة , والأوصاف الملغاة وبين الدور , والتسلسل, وقطعهما) يعني كلام يكتب بالذهب ثم قال مدللًا ومبرهنًا على هذه القضية: فانظر إلي قوله - صلى الله عليه وسلم -.
- (فانظر إلي قوله - صلى الله عليه وسلم - وقد سئل عن البعير يَجْرب فتَجْرب لأجله الإبل فقال:(من أَعدى الأول) , يقول: (كيف اشتملت هذه الكلمة الوجيزة المختصرة البينة على إبطال الدور والتسلسل , وطالما تفيهق وتشدق المتكلم وقرر ذلك بعد اللَّتيا والتي في عدة ورقات , فقال من أوتي جوامع الكلم:"فمن أعدى الأول") .
-ثم انتقل إلى المثال الثاني قال: (وتأمل في قصة ابن اللتبية - وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم - أفلا جلس في بيت أبيه وأمه وقال: هذا أهدي لي - كيف يجد تحت هذه الكلمة الشريفة أن الدوران يفيد العلية، والأصولي ربما كدَّ خاطره حتى قرر ذلك بعد الجهد، فدلت هذه الكلمة النبوية على أن الهدية لما دارت مع العمل وجودًا