وعدمًا كان العمل سببها وعلتها؛ لأنه لو جلس في بيت أبيه وأمه لانتفت الهدية، وإنما وجدت بالعمل فهو علتها).
-ثم يقول في مثال آخر: (وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - في اللحم الذي تُصدق به على بريرة هو عليها صدقة ولنا هدية، ففرق في الذات الواحدة وجعل لها حكمين مختلفين باختلاف الجهتين، إذ جهة الصدقة عليها غير جهة الهدية منها) .
- (وتأمل قوله - صلى الله عليه وسلم - في الميتة إنما حرم منها أكلها كيف تضمن التفرقة بين أكل اللحم واستعمال الجلد، وبين أن النص إنما تناول تحريم الأكل دون استعمال الجلد) .
ثم يقول أيضًا - في أمثلة كثيرة:.
- (ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - لعمر وقد سأله عن القُبلة للصائم فقال:"أرأيت لو تمضمضت", فَتَحتَ هذا إلغاء الأوصاف التي لا تأثير لها في الأحكام، وتحته تشبيه الشيء بنظيره وإلحاقه به، وكما أن الممنوع منه الصائم إنما هو الشرب لا مقدمته - وهو وضع الماء في الفم -، فكذلك الذي منع منه إنما هو الجماع لا مقدمته وهي القُبلة) .
ويقول أيضا - ذَكر أمثلة كثيرة يحسن بالإنسان في بدائع الفوائد أن يرجع إليها -.
-يقول في المثال الأخير:(وتأمل قوله - صلى الله عليه وسلم - للرجل الذي استفتاه عن امرأته وقد ولدت غلامًا أسودا فأنكر ذلك فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - ألك إبل؟ قال: نعم , قال: فما ألوانها؟ قال: سود , قال: هل فيها من أورق؟ قال: نعم , قال: فأنى له ذلك؟
قال: عسى أن يكون نزعه عرق , قال: وهذا عسى أن يكون نزعهُ عرق).
ثم يقول ابن القيم: (كيف تضَمن إلغاء هذا الوصف الذي لا تأثير له في الحكم وهو مجرد اللون ومخالفة الولد للأبوين فيه وإن مثل هذا لا يوجب ريبة، وأن نظيره في المخلوقات مشاهد بالحس، والله خالق الإبل وخالق بني آدم) ثم قال: (فهذه من أصح المناظرات، والإرشاد إلى اعتبار ما يجب اعتباره من الأوصاف، وإلغاء ما يجب إلغاؤه منها، وأن حكم الشيء حكم نظيره، وأن العلل والمعاني حق شرعًا وقدرًا) .
مقصود ابن القيم من هذا الكلام النفيس الكبير:
البرهان من خلال الأمثلة على أن الأحاديث النبوية فيها معرفة كيفية التعليل والاستثناء والدَور، وأن فيها من الفوائد المباشرة ما يحتاج الأصولي والمناظر ومن يتكلم في العقيدة إلى وقت طويل لتقريرها.
أخيرًا ننتقل إلى مسألة وهي:
أن الإمام أحمد قسَّم أهل العلم بالنظر إلى الحديث وفهمه إلى ثلاثة أقسام، وأنا حينما أقرأ هذه الفتوى أريد منكم أن تفهموا مقصود الإمام أحمد، وأنه لا يريد أن يتكلم في أحد من أهل العلم، وإنما مقصود الإمام أحمد البيان والإيضاح لأنواع أهل العلم بالنظر إلي دراسة الأحاديث واستيعابها.
(سئل الإمام أحمد(لاحظ معي) عن مالك بن أنس - رحمه الله - فقال: حديث صحيح ورأي ضعيف , وسُئل عن الأوزاعي فقال: حديث ضعيف ورأي ضعيف , وسئل عن أبي فلان (هكذا ما أراد أن يسميه) فقال: لا رأي ولا حديث، وسئل عن الإمام الشافعي فقال: حديث صحيح ورأي صحيح).
فقَسَّم العلماء إلى كم قسم؟ إذا استثنينا صاحبنا هذا الذي لا رأي ولا حديث صاروا كم؟ ثلاثة، منهم من يحسن نقل الحديث ويستدل بالصحيح منها لكنه لا يتفقه فيها علي الوجه المطلوب , ومنهم من يتفقه بلا حديث , ومنهم من ينقل الأحاديث الصحيحة ويتفقه فيها تفقهًا صحيحًا.
لما كانت هذه العبارة فيها نوع من الإشكال شرحها الإمام البيهقي شرحًا - شرح هذه الفتوى شرحا - يقول قلت (يعني البيهقي) [1] : (إنما قال ذلك أحمد بن حنبل في مالك - رحمهم الله-؛ لأنه كان يترك حديثه الصحيح ويعمل بعمل أهل المدينة في بعض المسائل) إذًا عرفنا لماذا اعتبره الإمام أحمد رأي ضعيف، لأنه يخالف الأحاديث.
(1) ما بين القوسين تم نقله هنا لمناسبته.