ثم قال: (وقال ذلك عن الأوزاعي - رحمه الله -؛ لأنه كان يحتج بالمقاطيع والمراسيل في بعض المسائل ثم يقيس عليها) إذًا هو يحتج بأحاديث ضعيفة ثم يقيس فجمع بين الحديث الضعيف والرأي الضعيف.
(وقال ذلك في الشافعي - رحمه الله -؛ لأنه كان لا يرى الاحتجاج إلا بالحديث الصحيح المعروف، ثم يقيس الفروع علي ما ثبت أصلها بالكتاب والسنة الصحيحة والإجماع , وقال ذلك في أبي فلان؛ لأنه كان يقول بالحديث الضعيف دون القياس مرة، ويترك الصحيح المعروف للقياس أخرى، فيقول بالقياس مرة ويتركه بالاستحسان أخرى وهذا؛ لأنه كان يرى الحجة تقوم بخبر المجهول وبالحديث المنقطع، فما وقع إليه من ذلك من حديث بلده قال به وترك القياس لأجله، وما لم يقع إليه من صحيح حديث بلده، أو وقع إليه فلم يثق به قال فيه بالقياس والاستحسان) .
والحاصل أن الإمام أحمد يقول: ينبغي أن الإنسان يثبت الأحاديث الصحيحة والأصول المعروفة ثم يقيس عليها، وأنه يري أن من أثبت الأحاديث الضعيفة ثم صار يقيس عليها فإنه (حديث ضعيف ورأي ضعيف) .
إذًا عرفنا الآن أقسام العلماء بنظر الإمام أحمد، وهذا يستدعي أن الإنسان يحرص على أن يتمسك بالأحاديث الصحيحة، وهذا يستدعي أن يكون عند الإنسان دراسة صحيحة لكيفية التصحيح والتضعيف، ويستدعي أيضا أن يتفقه في الأحاديث النبوية على مقتضى القواعد الصحيحة.
نحن نرى الآن مصداقًا لكلام الإمام أحمد: أن بعض العلماء يثبت الأحاديث الضعيفة، وينقل لنا حديث لا يصح ثم يثبته من خلال شواهد أو أقيسة أو متابعات أو .... إلخ، ثم يبني علي هذا الحديث الضعيف فقه كثير أليس كذلك؟ كثير هذا؛ ولهذا تجد فتوى مستغربة لعالم ما ثم لما تبحث في السبب تجد أن السبب أنها مبنية على حديث ضعيف، وهذا الذي يريده الإمام أحمد، لا تُثبت حديثا بطريقة غير صحيحة في التعليل والتصحيح والتضعيف ثم تبني عليه مسائل فقهية شاذة، وهذا - كما قلت - يقع كثيرا.
هذا ما أردت أن أقدم به بالنسبة لمتن البلوغ، ونشرع الآن مستعينين بالعزيز الجبار بقراءة هذا المتن، وأرجو - بإذن الله - أن نُتم المتن في المدة المقررة له - بإذن الله -.
قال المؤلف رحمه الله تعالى وغفر له: (بسم الله الرحمن الرحيم)
متن بلوغ المرام متن شغف به الناس وكثرت شروحه، وأقبل عليه كثير من الطلاب، وبعد دراستي لهذا الكتاب وجدت أنه جدير بهذه العناية، وأن فيه من المزايا ما قد لا يوجد في غيره من المتون، ونحن - إن شاء الله - بعد نهاية شرح هذا المتن - إن يسر الله - سنخرج مقارنة بين أحاديث البلوغ والمحرر والإلمام والمنتقى - وإن كان المنتقى يختلف -، وتَجمع عندي أشياء كثيرة جدًا حول هذا الموضوع، ولكني سأرجئ الكلام عنه إلي نهاية المتن؛ لأنه يتبين أكثر طريقة المؤلف، لكن الشيء الذي أحب أن أشير إليه الآن أن من طريقة الحافظ أنه يختصر الحديث فيأتي بالشاهد فقط، وهذا الأمر عَدَّه بعض الناس: ميزة وحسنة من حسنات المتن، والواقع - من وجهة نظري: أن هذا عيب من عيوب المتن والسبب:
أولًا: أن الحديث لا يفهم فهمًا كاملًا تامًا إلا بسياقه المتصل.
السبب الثاني: أن الحافظ ابن حجر يسقط من الألفاظ ما فيها فوائد مهمة؛ ولهذا ستجد أنه إذا قرأت متن هذا الحديث في البلوغ ثم قرأت نفس المتن في الإلمام مثلًا أن استيعابك للحديث وتصورك له ولمعانيه أتم؛ لأن سياق الحديث هناك أتم، هذه النقطة فقط هي التي - من وجهة نظري - مزعجة في البلوغ، ولو أن الحافظ استدركها لكان المتن في الحقيقة فيه مالا يوجد في غيره من المتون.
يقول الحافظ: بسم الله الرحمن الرحيم جرت عادة أهل العلم من المصنفين أن يبدؤوا مصنفاتهم ببسم الله الرحمن الرحيم لأمرين:
الأمر الأول: اقتداء بالكتاب فإن الله ابتدأ كتابه ببسم الله الرحمن الرحيم.
والأمر الثاني: اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه كان يبدأ مراسلات الملوك ببسم الله الرحمن الرحيم، وهو ثابت في الصحيح.