القول الثاني: أن أكل لحوم الحمر الأهلية جائز واستدلوا:
1 -بقوله تعالي: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) والآية نص بأنها في تعداد المحرمات.
2 -واستدلوا كذلك بأنه رُوي عن ابن عباس الجواز وروي عن ابن عباس في تعليل الجواز أنه قال: إنما حُرمت من أجل الركوب وروي عنه: أنه تردد فقال: لا أدري هل حرمت لأنها محرمة أو من أجل الركوب؟
والصحيح عنه: التردد دون الجزم، أي أنه تردد في التعليل ولم يجزم.
والراجح: القول الأول، وذكر ابن عبد البر أنه استقر القول على التحريم، وأنه لم يخالف إلا ابن عباس وعائشة , والآية من سورة الأنعام وهي مكية، ونزل تحريم أشياء كثيرة بعد ذلك، والقول بأن أكل لحوم الحمر الأهلية جائز رواية عن مالك، مع ذلك يقول ابن عبد البر: (لم يخالف أحد إلا اثنان من الصحابة: ابن عباس وعائشة) ، وهذا غريب كأنه لم يقف على هذه الرواية عن الإمام مالك مع أن الرواية واضحة , رُوي عنه الجواز مطلقا، وروي عنه الكراهة مع شدة عنايته بالروايات عن الإمام مالك , يذكر أن هذا لم يخالف فيه إلا هؤلاء فقط , على كل حال استقر الأمر على التحريم.
4.من فوائد الحديث: أن عَرَق الحمير وسؤرها نجس , وجه الاستدلال من الحديث: أنه إذا كان لحمها نجسًا فما تولد منه من باب أولى.
الدليل الثاني: أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: فإنها رجس هذا أولًا.
ثانيًا: أنه صح عنه الأمر بغسل الأواني والغسل إنما يكون من النجاسات.
الثالث: أنه أمر بكسر الأواني هذه الألفاظ تدل على نجاسة اللحم فالعَرق والسؤر من باب أولى.
القول الثاني: أن عرقها وسؤرها طاهر واستدلوا بدليلين:
••الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه مازالوا يركبون الحمر والبغال ويتلبسون بعَرقها، ولم ينقل عنه أنه أشار - صلى الله عليه وسلم - إلي نجاسة العَرق، ولو كان نجِسًا لأمر بتوقيه؛ لما تقدم معنا مرارًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى مظهرًا من مظاهر المجتمع يحتاج إلى تنبيه نبه عليه وتقدم معنا مرارًا.
••الدليل الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الهرة (إنها من الطوافين عليكم والطوافات) فعلل طهارة السؤر بالطواف، وطواف الحمار كطواف الهرة، وحاجة الناس إليه كحاجتهم أو أكثر من حاجتهم إلى الهرة ,
بقينا بالإشكال الكبير وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أطلق على الحمار في الحديث أنه رجس والجواب عليه: بما أجاب الحافظ الفقيه الشيخ ابن قدامة - جواب جيد جدًا-: أن المقصود بقوله الرجس اللحم فقط جمعًا بين الأدلة وهو جواب صحيح , وهذا الجواب وإن كان فيه خروج عن ظاهر اللفظ؛ لأن ظاهر اللفظ أن الحمار كله رجس، لكن خرجنا عن هذا الظاهر؛ لوجود النصوص الأخرى.
5.من فوائد هذا الحديث: نجاسة لحوم الحُمر الأهلية، ولا أظن في هذا خلاف إلا عند من يُجوز أكلها وهم: رواية عن مالك، وابن عباس، وعائشة هؤلاء هم الذين يُجوزون أكلها، أما ما عداهم فعلى مقتضى النصوص أنها نجسة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بغسلها، وأمر بكسر الأواني وسماها رجساَ.