فهرس الكتاب
وفي بيان أشراط الساعة قطع لمظنة التصديق لمن يرجم بالغيب، وذلك أن الدلائل على صدق الإنسان وكذبه أظهرها الواقع، فإذا كذب الواقع خبر المخبر فإن هذا أظهر الدلائل على كذبه، والواقع بالنسبة للغيب مجهول، وذلك أن الساعة أمرها عند الله سبحانه وتعالى، فإذا أخبر مخبر أن الساعة تقع في الزمن الفلاني، أو أن من علاماتها كذا، فالواقع يصعب أن يكذب هذا الخبر، وذلك أن الواقع لا يمكن حده، فإنه يؤجل إلى عام بعد عام. ولهذا تناقض كثير - حتى ممن ينتسب إلى العلم - في تحديد عمر أمة الإسلام، فمنهم من قال: إن عمر أمة الإسلام لا يزيد عن ألف سنة، ومنهم من قال: لا يزيد عن ألفي سنة، وقد صنف السيوطي عليه رحمة الله في ذلك كتابًا سماه"الكشف عن زيادة أمة الإسلام عن الألف"يعني: ألف سنة، وحد ذلك بأنها لا تزيد عن ألف وخمسمائة، ولكنها تزيد عن الألف، وهذا نوع من الاجتهاد، وفيه جناية أيضًا، وضرب من الظنون، وقد يتعلق بهذا بعض أهل الخير، وذلك أن تصديق الواقع لا يمكن، والسنوات تنتظر، وقيام الساعة أمره مجهول، فتصديق هذا عند أهل الظنة وضعفاء النفوس الذين ليس لديهم يقين هذا قد يقع. وربما يقع حتى من عند أهل الإيمان في بعض من أطلقت علاماتهم لقيام الساعة، كظهور الدجال، والنار التي تحشر الناس إلى المحشر، أو النار التي تخرج من الحجاز، فتضيء لها أعناق الإبل ببصرى، وهي بلدة من بلاد الشام، بجوار دمشق، وهذه العلامات قد يجتهد فيها كثير من الناس إذا لم يكن لديهم نص بين من كلام الله عز وجل. ونحن نجد أن النصوص البينة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما كانت ظاهرة في تحديد الزمن وقوعًا أحجم كثير من الناس عن إلحاق الدعوى الكذابة بها، كمسألة نزول المسيح عيسى ابن مريم، وخروج الدابة.