الفصل الأول في انتشار علم الحديث ومبدأ جمعه وتأليفه حيث ثبت ما قلناه في المقدمة، من كون علم الحديث من العلوم الشرعية، وأنه من أصول الفروض، وجب الاعتناء به، والاهتمام بضبطه وحفظه، و لذلك يَسَّرَ الله سبحانه وتعالى له أولئك العلماء الأفاضل، والثقات الأماثل، والأعلام المشاهير، الذي حفظوا قوانينه، واحتاطوا فيه ، فتناقلوه كابرًا عن كابر، وأوصلوه كما سمعه أولٌ إلى آخر، وحبَّبه الله إليهم لحكمة حفظ دينه، و حراسة شريعته فما زال هذا العلم من عهد الرسول صلوات الله وسلامه عليه والإسلام غض طري، والدين محكم الأساس قوي أشرف العلوم، وأجلَّها لدى الصحابة - رضي الله عنه - والتابعين بعدهم ، وتابعي التابعين ، خلفًا بعد سلف ، لا يشرف بينهم أحد بعد حفظ كتاب الله عز و جل ، إلا بقدر ما يحفظ منه، ولا يعظم في النفوس إلا بحسب ما يُسْمَعُ من الحديث عنه، فتوفرت الرغبات فيه، و انقطعت الهمم على تعلُّمه، حتى لقد كان أحدهم يرحل المراحل ذوات العدد ويقطع الفيافي والمفاوز الخطيرة، ويجوب البلاد شرقًا وغربًا في طلب حديثٍ واحدٍ ليسمعه من راويه فمنهم من يكون الباعث له على الرِّحلة طلب ذلك الحديث لذاته, ومنهم من يقرن بتلك الرغبة سماعه من ذلك الراوى بعينه، إما لثقته في نفسه، وصدقه في نقله، وإما لعلو إسناده، فانبعثت العزائم إلى تحصيله .