ثم ازداد انتشارهذا النوع من التصنيف والجمع والتأليف، وكثر في أيدي المسلمين وبلادهم، وتفرقت أغراض الناس، و تنوعت مقاصدهم، إلى أن انقرض ذلك العصر الذي كانا فيه حميدًا عن جماعة من الأئمة والعلماء قد جمعوا وألفوا: مثل أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي، وأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وأبي عبدالرحمن أحمد بن شعيب النسائى رحمهم الله جميعًا وغيرهم من العلماء الذين لا يحصون كثرة, وكان ذلك العصر كان خلاصة العصور في تحصيل هذا العلم، وإليه المنتهى.
ثم من بعده نقص ذلك الطلب بعد، وقل ذلك الحرص، وفترت تلك الهمم، وكذلك كلُّ نوع من أنواع العلوم و الصنائع والدول وغيرها فإنه يبتدئ قليلًا قليلًا، ولايزال ينمى ويزيد، و يعظم إلى أن يصل إلى غاية هى منتهاه، ويبلغ إلى أمَد هو أقصاه، ثم يعود ، فكأنَّ غاية هذا العلم انتهت إلى البخاري ومسلم، و من كان في عصرهما من علماء الحديث, ثم نزل وتقاصر إلى زماننا هذا، وسيزداد تقاصرًا والهمم قصورًا، سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلًا
الفصل الثاني في بيان اختلاف أغراض الناس ومقاصدهم في تصنيف الحديث: ما زلت أتتبع كتب الحديث، وأطلبها رغبة في معرفته، والإحاطة به، لما يلزمني من أمور الإسلام والدين، فوجدت بعون الله فيها كل مطلوب، و أدركت فيها بلطفه كل مرغوب، ورأيت هذا العلم على شرفه وعلو منزلته، و عظم قدره، علمًا عزيزًا، مشكل اللفظ والمعنى، و الناس في تصانيفهم التي جمعوها فيه, و ألفوها مختلفو الأغراض، متنوعو المقاصد .