ومنهم من قصد ذكر الغريب دون متن الحديث، فاستخرج الكلمات الغريبة، ودونها ورتبها وشرحها، كما فعله أبو عبيد أحمد بن محمد الهروى وغيره من العلماء .
ومنهم من قصد إلى استخراج أحاديث تتضمن ترغيبًا وترهيبًا، وأحاديث تتضمن أحكامًا شرعية غير جامعة، فدونها وأخرج متونها وحدها، كما فعله أبو محمد الحسين بن مسعود في كتاب ( المصابيح ) وغير هؤلاء المذكورين من أئمة الحديث لو رمنا أن نستقصى ذكر كتبهم، واختلاف أغراضهم ومقاصدهم في تصانيفهم، لطال الخطب، ولم ننته إلى حد فاختلاف الأغراض هو الداعى إلى اختلاف التصانيف .
الفصل الثالث في اقتداء المتأخرين بالسابقين وسبب اختصارات كتبهم وتآليفها: لما كان أولئك الأعلام هم الأولين في هذا الفن، والسابقين إليه، لم يأت صنعهم على أكمل الأوضاع وأتم الطرق، فإن غرضهم كان أولًا حفظ الحديث مطلقًا وإثباته، ودفع الكذب عنه، وحذف الموضوعات عليه، والنظر في طرقه و حفظ رجاله، وتزكيتهم، واعتبار أحوالهم، و التفتيش عن دخائل أمورهم، حتى قدحوا فيمن قدحوا، و جرحوا من جرحوا، وعدلوا من عدلوا، وأخذوا عمن أخذوا، وتركوا من تركوا, هذا بعد الاحتياط و الضبط والتدبر، فكان هذا مقصدهم الأكبر، وغرضهم الأوفر، ولم يتسع الزمان لهم والعمر لأكثر من هذا الغرض الأعم، والمهم الأعظم، ولا رأوا في أديانهم أن يشتغلوا بغيره من لوازم هذا الفن التي هي كالتوابع، بل ولا كان يجوز لهم ذلك، فإن الواجب أولًا إثبات الذات، ثم ترتيب الصفات، والأصل ، إنما هو عين الحديث وذاته، ثم بعد ذلك ترتيبه وتحسين وضعه، ففعلوا ما هو الفرض المتعين، واخترمتهم المنايا قبل الفراغ والتخلي لما فعله التابعون لهم، والمقتدون بهم، والمهتدون بهديهم، فتعبوا رحمهم الله لراحة من بعدهم، ونصبوا لدعة من اقتفى آثارهم.