ثم جاء الخلف الصالح ، فأحبوا أن يظهروا تلك الفضيلة، ويشيعوا تلك المنقبة الجليلة، وينشروا تلك العلوم التي أفنوا أعمارهم في جمعها، ويفصلوا تلك الفوائد التى أجملوا تحسين وضعها، إما بإبداع ترتيب، أو بزيادة تهذيب، أو اختصار و تقريب، أو استنباط حكم، وشرح غريب .
فمن هؤلاء المتأخرين من جمع بين كتب الأولين بنوع من التصرف والاختصار، كما فعله أبو بكر أحمد بن محمد البرقاني، وأبو مسعود إبراهيم ين محمد بن عبيد الدمشقى، واقتفى أثرهما أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي فإنهم جمعوا بين كتابي البخاري ومسلم، ورتبوا كتبهم على المسانيد، دون الأبواب، كما سبق ذكره .
وتلاهم آخرًا أبو الحسن رزين بن معاوية العبدري السرقسطي (1) ، فجمع بين كتب البخاري ومسلم و (الموطأ) لمالك، و (جامع أبي عيسى الترمذي) ، و (سنن أبي داود السجستاني) ، و (سنن أبي عبد الرحمن النسائى) رحمة الله عليهم, و رتب كتابه على الأبواب دون المسانيد، إلا أن هؤلاء جميعهم لم يودعوا كتبهم إلا متون الحديث عارية من الشرح و التفسير، حسب ما أداهم إليه الغرض، و أحسنوا في الصنع ، وفعلوا ما جنوا ثمرته دنيا وأخرى، وسنوا لمن بعدهم الطريق ومهدوا المحجة في طلب هذا العلم، فأحسن الله إليهم
الفصل الرابع في خلاصة الغرض من جمع هذا الكتاب: لما وقفت على هذه الكتب، ورأيتها في غاية من الوضع الحسن والترتيب الجميل، ورأيت كتاب رزين هو أكبرها و أعمها ، حيث حوى هذه الكتب الستة التى هي أم كتب الحديث، وأشهرُها في أيدي الناس، وبأحاديثها أخذ العلماء، واستدل الفقهاء، وأثبتوا الأحكام، و شادوا مباني الإسلام .
(1) - رزين هو الإمام الكبير المحدث أبو الحسن رزين بن معاوية العبدري السرقسطي صاحب كتاب ( تجريد الصحاح ) , كان إمام المالكيين بالحرم, قال الذهبي: أدخل كتابه زيادات واهية, لو تنزه عنها لأجاد, توفي سنة 535 هـ , ( السير ) (20\205)