أما بعد: وفقنا الله وإياك لما يرضيه فإنك ذكرت أن الكتاب الذي ألفت في شرح ( الموطأ ) المترجم بكتاب ( الاستيفاء) يتعذر على أكثر الناس جمعه, ويبعد عنهم درسه, لا سيما لمن لم يتقدم له في هذا العلم نظر, ولا تبين له فيه بعد أثر, فإن نظره فيه يبلد خاطره ويحيره, ولكثرة مسائله ومعانيه يمنع تحفظه وفهمه, وإنما هو لمن رسخ في العلم, وتحقق بالفهم, و رغبت أن أقتصر فيه على الكلام في معاني ما يتضمنه ذلك الكتاب من الأحاديث والفقه, وأصل ذلك من المسائل بما يتعلق بها في أصل كتاب ( الموطأ ) ليكون شرحا له وتنبيها على ما يستخرج من المسائل منه, ويشير إلى الاستدلال على تلك المسائل والمعاني التي يجمعها و ينصها ما يخف ويقرب, ليكون ذلك حظ من ابتدأ بالنظر في هذه الطريقة من كتاب ( الاستيفاء ) إن أراد الاقتصار عليه وعونا له إن طمحت همته إليه, فأجبتك إلى ذلك, وانتقيته من الكتاب المذكور على حسب ما رغبته وشرطته, وأعرضت فيه عن ذكر الأسانيد, واستيعاب المسائل والدلالة, وما احتج به المخالف, و سلكت فيه السبيل الذي سلكت في كتاب ( الاستيفاء ) من إيراد الحديث والمسألة من الأصل, ثم أتبعت ذلك ما يليق به من الفرع, وأثبته شيوخنا المتقدمون - رضي الله عنهم - من المسائل, وسد من الوجوه والدلائل, وبالله التوفيق, وبه أستعين, وعليه أتوكل, وهو حسبي ونعم الوكيل