ولم يكن قط في الأمم من انتهى إلى حد هذه الأمة من التصرف في التصنيف والتحقيق, ولا جاب لها في مراها من التفريع, فإن الله صانها عن الإتلاف في كتابها, وجاء بها على الحائق من أبوابها, وسائر الأمم غمرتهم الآفات, وتوالت عليهم الحادثات, فذكر أن التوراة حرفت مرتين, واتخذا اليهود إلهين اثنين, وزعموا أن الذي أملاها من حفظهم في المرة الأولى عزير, وليس لها في المرة الثانية إلا كسير, وعوير
والنصارى فهم معهم بدلوا كتبهم بأيديهم, وحرفوا على مناحيهم, وأتبعوا الحق أهوائهم, فكل من كان أمل في معنى مناجيهم كتب عليه كتابه, فجائت مختلفة مبدلة محرفة, فإذا رآها العالم رأى أنهم عووا, وضوضوا لما فقدوا الضوء
ولما صان الله هذه الأمة عن هذه المحنة, وبط لها الدوحة, فتبسطت في بحبوحة دوحتها, وتصرفت في فروع ملتها, فاستفتح السيف العلق, واستلوا على الظلف, فلم يدرك منهم إلا وعي كلامهم, وتقريب مرامهم, فخذوها عارضة أحوذي [ على ] (1) كتاب الترمذي, وقد كانت همتي طمحت إلى استيفاء كلامه بالبيان, والإحصاء لجميع علومه بالشرح والبرهان, إلا أنني رأيت القواطع أعظم منها, والهم أقصر عنها, والخطوب أقرب منها, فتوقفت مدة مدة إلى أن تيسرت مندة الطلبة, فاغتنمتها واتبعت عزمي, وأتقعر على شطني ما اشتملت عليه معلقاتي في تغيير المياومة من المشايخ في المجالس, وعوارض المذاكرة على الإختصار, وربما اتفق تطويل, فذلك بحسب ما عرض على شرط ما تقدم من العرض
(1) - في المطبوع [ علم ]