أما بعد: فلما خص الله سبحانه وتعالى رجالا لواجب هذا النبي الشريف - صلى الله عليه وسلم - وبجميل خدمته أعظم الاسباب, ثم افترقوا في إظهار ما كَمِن فيهم من عظيم حبه فرقا كل يحاول بما أكنه التقرب إلى عَلِيِّ ذلك الجناب, فمن قوي يناضل عن ذاته المكرمة ودينه القويم بماضي السيف والسنان, ومن راوية أمين انتصب لحفظ كلمه الرفيعة وصون وما حوته من محاسن و بيان, ومن فصيح أوتي من البلاغة السحر الحلال فعبر عن بعض كمالاته بما أدرك بركته عاجلا بحق العيان.
وكان ممن فتح الله له في نيل الدرجة العظمى في ذلك الشيخ الإمام العلامة المجمع على أمانته وحفظه وإتقانه مسلم بن الحجاج تغمده الله تعالى بجميل الرضوان, وأسكنه فراديس الجنان, فألف في جمع أحاديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وضبط أصول ذلك تأليفا عظيما, لم ينسج ولا ينسج والله تعالى أعلم على شريف منواله, وكان من أحسن شروحه فيما علمت و أجمعها شرح العلامة أبي عبد الله الأبي رحمه الله تعالى, ورضي عنه, أردت أن أتعلق بأذيال القوم, وإن كنت في غاية البعد منهم, إلا أن بمنة الوهاب تعالى باللحاق بهم بعد اليوم, فاختصرت في هذا التقييد المبارك إن شاء الله معظم ما في هذا الشرح الجامع من الفوائد, وضممت إاليه كثيرا مما أغفله مما هو كالضروري لا كالزايد, وأكملته أيضا بشرح الخطبة فتم النفع والحمد لله تعالى بشرح جميع الكتاب, وجاء بفضل الله تعالى مختصرا يقنع أو يغني عن جميع الشروح, وما فيها من تطويل أو مزيد إطناب