فهرس الكتاب

الصفحة 256 من 830

وبعد: فإن علم السنة النبوية بعد الكتاب العزيز أعظم العلوم قدرا, وأرقاها شرفاوفخرا, إذ عليه مبنى قواعد أحكام الشريعة الإسلامية, وبه تظهر تفاصيل مجملات الآيات القرآنية, وكيف لا ومصدره عمن لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى

فهو المفسر للكتاب وإنما *** نطق النبي لنا به عن ربه

وإن كتاب البخاري ( الجامع ) قد أظهر من كنوز مطالبها العالية إبريز البلاغة, وأبرز وحاز قصب السبق في ميدان البراعة وأحرز, وأتى من صحيح الحديث وفقهه, بما لم يسبق غليه, ولا عرج أحد عليه, فانفرد بكثرة فرائد فوائده, و زوائد عوائده, حتى جزم الراون بعذوبة موارده, فلذا رجح على غيره من الكتب بعد كتاب الله, وتحركت بالثناء عليه الألسن والشفاه

ولطالما خطر في الخاطر المخاطر أن أعلق عليه شرحا أزجه فيه مزجا, وأدرجه ضمنه درجا, أميز فيه الأصل من الشرح بالحمرة والمداد, واختلاف الروايات بغيرهما, ليدرك الناظر سريعا المراد, فيكون باديا بالصفحة, مدركا باللمحة, كاشفا بعض أسراره لطالبيه, رافع النقاب عن وجوه معانيه لمعانيه, موضحا مشكله, فاتحا مقفله, مقيدا مهمله, وافيا بتغليق تعليقه, كافيا في إرشاد الساري لتحقيقه, محررا لرواياته, معربا عن غرائبه وخفياته,فأجدني أحجم عن سلوك هذا المسرى, وأبصرني أقدم رجلا وأخر أخرى, إذ أنا بمعزل عن هذا المنزل, لا سيما وقد قيل إن أحدا لم يستصبح سراجه, ولا استوضح منهاجه, ولا اقتعد صهوته, ولا افترع ذروته, ولا تفيأ ظلاله, فهو درة لن تثقب, ومهرة لم تركب, ولله در القائل:

أعيى فحول العلم حل رموز ما *** أبداه في الابواب من أسرار

فازوا من الأوراق منه بما جنوا *** منها ولم يصلوا على الأثمار

ما زال بكرا لم يفض ختامه *** وعراه ما حلت عن الأزرار

حجبت معانيه التي أوراقها *** ضربت على الأبواب كالأستار

من كل باب حين يفتح بعضه *** بنهار منه العم كالأنهار

لا غرو أن أمسى البخاري للورى *** مثل البحار لمنشأ الأمطار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت