أما بعد: فلا علم أشرف من علم الشريعة, فإنه يحصل به شرف الدنيا والآخرة، فمن تحلى به فقد فاز بالصفقة الرابحة، والمنزلة الرفيعة الفاخرة، ومن عري منه فقد حظي بالكرة الخاسرة, والأصل في هذا العلم كتاب الله عز وجل، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فأما الكتاب العزيز فهو متواتر مجمع عليه, غير محتاج إلى ذكر أحوال ناقليه، وأما سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهي التي تحتاج إلى شرح أحوال رواتها, وأخبارهم,.وأول رواتها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , ولم يضبطوا ولا حفظوا في عصرهم,كما فعل بمن بعدهم من علماء التابعين وغيرهم إلى زماننا هذا, لأنهم كانوا مقبلين على نصرة الدين, وجهاد الكافرين, إذ كان المهم الأعظم, فإن الإسلام كان ضعيفًا وأهله قليلون، فكان أحدهم يشغله جهاده ومجاهدة نفسه في عبادته عن النظر في معيشته, والتفرغ لمهم، ولم يكن فيهم أيضًا من يعرف الخط إلا النفر اليسير، ولو حفظوا ذلك الزمان لكانوا أضعاف من ذكره العلماء، ولهذا اختلف العلماء في كثير منهم, فمنهم من جعله بعض العلماء من الصحابة، ومنهم من لم يجعله فيهم، ومعرفتهم أمورهم, وأحوالهم, وأنسابهم, وسيرتهم مهم في الدين