ولا خفاء على من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد أن من تبوأ الدار والإيمان من المهاجرين و الأنصار السابقين إلى الإسلام والتابعين لهم بإحسان الذين شهدوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسمعوا كلامه, وشاهدوا أحواله, ونقلوا ذلك إلى من بعدهم من الرجال و النساء, من الأحرار والعبيد والإماء أولى بالضبط و الحفظ، وهم الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم, أولئك لهم الأمن و هم مهتدون, بتزكية الله، سبحانه و تعالى لهم, وثنائه عليهم، ولأن السنن التي عليها مدار تفصيل الأحكام, ومعرفة الحلال والحرام, إلى غير ذلك من أمور الدين، إنما ثبتت بعد معرفة رجال أسانيدها ورواتها، و أولهم والمقدم عليهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, فإذا جهلهم الإنسان كان بغيرهم أشد جهلًا، وأعظم إنكارًا، فينبغي أن يعرفوا بأنسابهم, و أحوالهم, هم وغيرهم من الرواة، حتى يصح العمل بما رواه الثقات منهم، وتقوم به الحجة, فإن المجهول لا تصح روايته، ولا ينبغي العمل بما رواه، والصحابة يشاركون سائر الرواة في جميع ذلك إلا في الجرح و التعديل, فإنهم كلهم عدول, لا يتطرق إليهم الجرح, لأن الله عز وجل ورسوله زكياهم, وعدلاهم، وذلك مشهور لا نحتاج لذكره، ويجيء كثير منه في كتابنا هذا، فلا نطول به هنا
وقد جمع الناس في أسمائهم كتبًا كثيرة، ومنهم من ذكر كثيرًا من أسمائهم في كتب الأنساب, والمغازي, و غير ذلك، و اختلفت مقاصدهم فيها، إلا أن الذي انتهى إليه جمع أسمائهم الحافظان أبو عبد الله بن منده (1)
(1) - ابن منده هو الإمام الحافظ المحدث الجوال محدث العصر أبو عبد الله أبي يعقوب إسحاق بن الحافظ أبي عبد الله محمد بن زكريا يحيى بن منده, قال الذهبي: ولم يبلغنا أن أحدا من هذه الأمة سمع ما سمع ولا جمع ما جمع وكان ختام الرحالين وفرد المكثرين مع الحفظ والمعرفة والصدق وكثرة التصانيف توفي سنة 395هـ
( طبقات الحفاظ ) (1\408\924)