فاعلم أكرمك الله أنك حملتني من ذلك أمرًا إمرًا، وأرهقتني فيما ندبتني إليه عسرًا، وأرقيتني بما كلفتني مرتقى صعبًا، ملأ قلبي رعبًا، فإن الكلام في ذلك يستدعي تقرير أصول, وتحرير فصول، والكشف عن غوامض ودقائق من علم الحقائق، مما يجب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ويضاف إليه، أو يمتنع أو يجوز عليه، ومعرفة النبي والرسول، والرسالة والنبوة، والمحبة والخلة، و خصائص هذه الدرجة العلية، وها هنا مهامه فيح تحار فيها القطا، وتقصر بها الخطا، ومجاهل تضل فيها الأحلام إن لم تهتد بعلم علم, ونظر سديد، ومداحض تزل بها الأقدام، إن لم تعتمد على توفيق من الله وتأييد, لكني لما رجوته لي ولك في هذا السؤال والجواب, من نوال وثواب، بتعريف قدره الجسيم، وخلقه العظيم، وبيان خصائصه التي لم تجتمع قبل في مخلوق، وما يدان الله تعالى به من حقه الذي هو أرفع الحقوق، ( لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا) (المدثر:31) ، ولما أخذ الله تعالى على الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه, ولما حدثنا به أبو الوليد هشام بن أحمد الفقيه بقراءتي عليه، قال: حدثنا الحسين ابن محمد، حدثنا أبو عمر النمري, حدثنا أبو محمد بن عبد المؤمن، حدثنا أبو بكر محمد ابن بكر، حدثنا سليمان بن الأشعث، حدثنا موسى بن اسماعيل، حدثنا حماد، حدثنا علي بن الحكم، عن عطاء ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
( من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة ) (1)
(1) - 1135 قال في (المقاصد الحسنة) : [رواه] أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، وأبو يعلى، والترمذي وحسنه، و الحاكم وصححه، والبيهقي، من حديث أبي هريرة به مرفوعًا، وهو عند الحاكم أيضًا وغيره عن ابن عمرو، وعند ابن ماجه عن أنس وأبي سعيد، وعند الطبراني من حديث ابن عباس وابن عمر وابن مسعود اهـ