أما بعد: فإن الله جل جلاله, وتقدست أسماؤه, خلق خلقه من غير ضرورة كانت به إلى خلقهم, وأنشأهم من غير حاجة كانت به إلى إنشائهم, بل خلق من خصه منهم بأمره ونهيه, وامتحنه بعبادته ليعبدوه, فيجود عليهم بنعمه, و ليحمدوه على نعمه, فيزيدهم من فضله ومننه, ويسبغ عليهم فضله وطوله
كما قال عز وجل: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ و َالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ, مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ, إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (الذريات: 56\57\58) , فلم يزده خلقه إياهم إذ خلقهم في سلطانه على ما لم يزل قبل خلقه إياهم مثقال ذرة, ولا هو إن أفناهم و أعدمهم ينقصه إفناؤه إياهم ميزان شعرة, لأنه لا تغيره الأحوال, ولا يدخله الملال, ولا ينقص سلطانه الأيام والليال, لأنه خالق الدهور والأزمان, فعم جميعهم في العاجل فضله وجوده, وشملهم كرمه وطوله, فجعل لهم أسماعا وأبصارا وأفئدة, وخصهم بعقول يصلون بها إلى التمييز بين الحق والباطل, ويعرفون بها المنافع والمضار, وجعل لهم الأرض بساطا ليسلكوا منها سبلا فجاجا, والسماء سقفا محفوظا, وبناء مسموكا, وأنزل لهم منها الغيث بالإدرار, والأرزاق بالمقدار, وأجرى لهم فيها قمر الليل, وشمس النهار, يتعاقبان بمصالحهم دائبين, فجعل لهم الليل لباسا, والنهار معاشا, وخالف منا منة عليهم وتطولا بين قمر الليل وشمس النهار, فمحا آية الليل, وجعل آية النهار مبصرة, كما قال جل جلاله,وتقدست أسماؤه: ( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا) (الاسراء:12) وليصلوا بذلك إلى العلم بأوقات فروضهم, التي فرضها عليهم في ساعات الليل والنهار, والشهور والسنين, من