ولقد كان شأن الحديث فيما مضى عظيمًا، عظيمة جموع طلبته، رفيعة مقادير حفاظه وحملته, وكانت علومه بحياتهم حية، وأفنان فنونه ببقائهم غضة، ومغانيه بأهله آهلة, فلم يزالوا في انقراض، ولم يزل في اندراس، حتى آضت به الحال إلى أن صار أهله إنما هم شرذمة قليلة العدد، ضعيفة العُدد, لا تغني على الأغلب في تحمله بأكثر من سماعه غفلًا، ولا تعنى في تقييده بأكثر من كتابته عطلًا، مُطَّرِحين علومه التي بها جل قدره، مباعدين معارفه التي بها فخم أمره
فحين كاد الباحث عن مشكله لا يلفي له كاشفًا، والسائل عن علمه لا يلقى به عارفًا، منَّ الله الكريم تبارك وتعالى عليَّ وله الحمد أن أجمع بكتاب ( معرفة أنواع علوم الحديث ) ، هذا الذي باح بأسراره الخفية، وكشف عن مشكلاته الأبية، وأحكم معاقده، وأقعد قواعده، وأنار معالمه، وبَّين أحكامه، وفصل أقسامه، وأوضح أصوله، وشرح فروعه وفصوله، وجمع شتات علومه وفوائده، وقنص شوارد نكته وفرائده
فالله العظيم الذي بيده الضر والنفع، والإعطاء والمنع أسأل، وإليه أضرع وأبتهل، متوسلًا إليه بكل وسيلة، متشفعًا، إليه بكل شفيع، أن يجعله مليًا بذلك, وأملى، وفيًِّا بكل ذلك و أوفى, وأن يعظم الأجر والنفع به في الدارين، إنه قريب مجيب, ( وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) (هود:88)