أما بعد: فلا خلاف بين أُولي الألباب والعقول، ولا ارتياب عند ذَوِي المعارف والمحصول، أنّ علم الحديث والآثار من أشرف العلوم الإسلامية قَدْرا، وأحسنِها ذكرا، وأكملها نفْعا وأعظمها أجرا, وأنه أحَدُ أَقطاب الأسلام التي يَدُورُ عليها، ومعاقِدِهِ التي أضيفَ إليها، وأنه فَرْضٌ من فروض الكفايات يجب التزامُه، وحق من حقوق الدين يتعين إحكامه و اعْتزَامُه, وهو على هذه الحال من الاهتمام البيِّن والالتزام المُتعيِّن ينقسم قسمين: أحدُهما معرفة ألفاظه، والثاني معرفة معانيه. و لاشك أن معرفَةَ ألفاظه مُقَدّمةٌ في الرتبة, لأنها الأصل في الخطاب وبها يحْصُل التفاهم، فإذا عُرِفَتْ تَرتَّبتِ المعاني عليها، فكان الإهتمام ببيانها أوْلَى.
ثم الألفاظ تنقَسم إلى مفردة ومركبة، ومعرفة المفردة مقَّدمة على معرفة المركبة, لأنّ التركيب فَرْعٌ عن الإفراد, و الألفاظ المفردة تنقسم قسمين: أحدهما خاصٌّ والآخر عامٌّ, أما العام فهو ما يَشْتَرِك في معرفته جُمهور أهل اللسان العربي مما يَدُورُ بَينَهم في الخطاب، فهم في معرفته شَرَعٌ سَوَاءٌ أو قريبٌ من السَّواء، تَناقَلوه فيما بينهم وتَداوَلوه، وتَلقَّفُوه من حال الصِّغَر لضرورة التَّفاهُم وتَعَلموه, وأما الخاصُّ فهو ما يدور فيه من الألفاظ اللُّغَوية، والكلمات الغريبة الحشويَّة، التي لا يعرفها إلا من عُنِيَ بها، وحافَظَ عليها واستخرَجَها من مظانّها وقليلٌ ماَ هُمْ فكان الاهتمام بمعرفة هذا النوع الخاصّ من الألفاظ أهمَّ مما سواه، وأولى بالبيان مما عداه، ومُقَدَّمًا في الرتبة على غيره، ومَبدُوًّا في التعريف بذكره, إذ الحاجة إليه ضرورية في البيان، لازمة في الإيضاح والعِرْفان.