هذا والعصرُ ذلك العصرُ القديم، والعَهدُ ذلك العهدُ الكريم، فجهِل الناس من هذا المُهِمّ ما كان يلزمُهم معرفَتُه، وأخّروا منه ما كان يجب تَقْدِمَتُه، واتخذوه وراءَهم ظِهْرِيًّا فصار نِسْيًا منسيًا، و المشتغل به عندهم بعيدا قصيًّا، فلما أعضَلَ الدَّاء وعزَّ الدَّواء، ألهمَ اللّه عز وجل جماعة من أولِي المعارف والنُّهَى، وذوي البصائر والحِجَى، أن صرفوا إلى هذا الشأن طَرَفًا مِن عنَايتهم، وجانبا من رِعايَتهم، فشَرَّعوا فيه للناس مواردا، ومهَّدوا فيه لهم معاَهدا، حراسةً لهذا العلم الشريف من الضياَع، وحفظا لهذا المهِم العزيز من الاختلال.
فقيل إن أوّلَ من جَمعَ في هذا الفنّ شيئاَ وألَّف أبو عبيدة مَعْمَر بن المثنّى التميمي، فجمع من ألفاظ غريب الحديث و الأثر كتابا صغيرا, ذا أوراق معدودات، ولم تكن قِلَّتُهُ لجهله بغيره من غريب الحديث، وإنما كان ذلك لأمرين: أحدهما أن كل مُبْتَدِئ لشىء لم يُسْبَق إليه، وَمُبْتَدِعٍ لأمر لم يُتَقَدَّم فيه عليه، فإنه يكون قليلا ثم يكثر، وصغيرا ثم يكبر. والثاني أنَّ الناسَ يومئذ كان فيهم بَقِيةٌ وعندهم معرفة، فلم يكن الجهلُ قد عَمّ، ولا الخطبُ قد طَمّ.
ثم جَمَع أبو الحسن النَّضْر بن شُميل المازنيّ بعده كتابا في غريب الحديث أكبر من كتاب أبي عُبيدة، وشرح فيه وبَسَطَ على صغر حجمه ولُطفه, ثم جمع عبدُ الملك بن قُرَيب الأصمعيّ وكان في عصر أبي عُبيدة وتأخر عنه كتابا أحسن فيه الصُّنْعَ وأجاد، ونيَّف على كتابه, وزاد، محمد بن المُسْتَنير المعروف بِقُطْرُب، وغيره من أئمة اللغة والفقه جمعوا أحاديث تَكَلموا على لغتها ومعناها في أوراق ذواتِ عِدد، ولم يَكَدْ أحدُهم ينفردُ عن غيره بكبير حديث لم يذكره الآخر