أما بعد: فإن لغة العرب لما كانت بالمحل الأعلى, والمقام الأسنى, وبها يعرف كتاب رب العالمين, وسنة خير الأولين و الآخرين, واكرم السابقين واللاحقين صلوات الله عليه وعلى سائر النبيين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين اجتهد أولو البصائر والأنفس الزاكيات, والهمم المهذبة العاليات, في الاعتناء بها والتمكن من إتقانها, بحفظ أشعار العرب, وخطبهم, ونثرهم, وغير ذلك من أمرهم, وكان هذا الاعتناء في زمن الصحابة - رضي الله عنهم - مع فصاحتهم نسبا ودارا, ومعرفتهم باللغة استظهارا, لكن أرادوا الاستكثار من اللغة التي حالها ما ذكرنا, ومحلها ما قدمنا, وكان ابن عباس وعائشة وغيرهما يحفظون من الأشعار واللغات ما هو من المعروفات الشائعات, وأما ضرب عمر بن الخطاب وابنه رضي الله عنهما أولادهما لتفريطهم في حفظ العربية فمن المنقولات الجلية, وأما المنقول عن التابعين ومن بعدهم في ذلك فهو أكثر من أن يحصر, وأشهر من أن يذكر, وأما ثناء إمامنا الشافعي رحمه الله وحثه على تعلم العربية في أول ( رسالته ) فهو مقتضى منصبه, وعظم جلالته, ولا حاجة إلى الإطالة في الحث عليها, فالعلماء مجمعون على الدعاء إليها, بل شرطوها في المفتي, والإمام الأعظم, والقاضي, لصحة الولايات, واتفقوا على أن تعلمها وتعليمها من فروض الكفايات,.فلما كان أمرها ما ذكرته وجلالتها بالمحل الذي وصفته أردت أن أسلك بعض طرق أهلها, لعلي أنال بعض فضلها وأؤدي بعض ما ذكرته من فروض الكفاية, وأساعد في معرفة اللغة من له رغبة من أهل العناية, فأجمع إن شاء الله الكريم الرؤوف الرحيم ذو الطول والإحسان والفضل و الامتنان كتابا في الألفاظ الموجودة في (مختصر أبي إبراهيم المزني) (1)
(1) - ( مختصر المزنى ) في فروع الشافعية من تأليف الشيخ الإمام إسماعيل بن يحيى المزني تلميذ الإمام الشافعي المتوفى سنة 264 هـ, وهو أحد الكتب الخمس المشهورة بين الشافعية التي يتداولونها أكثر تداول, وهى سائرة في كل الأمصار, كما ذكره النووي في ( التهذيب ) , وله شروح كثيرة من أحسنها و أكبرها شرح العلامة أبو الحسن الماوردي المسمى ( بالحاوي ) طبع في دار الكتب العلمية في (20) مجلدا بتحقيق ( عادل عبد الموجود ) و ( علي معوض ) ولأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري اللغوي المتوفى سنة 370 هـ كتاب في تفسير ألفاظه وغريبه