وبعد: فإن التصنيف مضمار تنصب إليه خيل السباق من كل أوب ثم تتجارى، فمن شاط بعيد الشأو، وساع الخطو، تشخص الخيل وراءه إلى مطهم سباق في الحلبة ميفاء على القصبة، ومن لاحق بالأخريات، مطرح خلف الأعقاب، ملطوم عن شق الغبار، موسوم بالسكيت المخلف، ومن آخذ في القصد، متنزل سطة ما بينهما، قد انحرف عن الرجوين، وجال بين القطرين، فليس بالسباق المفرط، ولا اللاحق المفرط. وقد تصديت للإنصباب في هذا المضمار تصدي القاصد بذرعه، الرابع على ظلعه، فتدبرت فنون العلم التي أنا كائن بصدد تكميلها، وقائم بإزاء خدمتها وتحصيلها، فصادفت أصلها الأعظم الذي هو اللغة العربية خليقة بالميل في صغو الاعتناء بها، و الكدح في تقويم عنادها، وإعطاء بداهة الوكد وعلالته إياها, وكان فيها كتاب (القاموس المحيط) ، للإمام مجد الدين الشيرازي أجل ما ألف في الفن، لاشتماله على كل مستحسن، من قصارى فصاحة العرب العرباء، وبيضة منطقها وزبدة حوارها، والركن البديع إلى ذرابة اللسان و غرابة اللسن، حيث أوجز لفظه وأشبع معناه، وقصر عبارته وأطال مغزاه، لوح فأغرق في التصريح، و كنى فأغنى عن الإفصاح، وقيد من الأوابد ما أعرض، واقتنص من الشوارد ما أكثب، إذا ارتبط في قرن ترتيب حروف المعجم ارتباطا جنح فيه إلى وطء منهاج أبين من عمود الصبح، غير متجانف للتطويل عن الإيجاز، وذلك أنه بوبه فأورد في كل باب من الحروف ما في أوله
الهمز، ثم قفى على أثره بما في أوله الباء، وهلم جرا، إلى منتهى أبواب الكتاب، فقدم في باب الهمزة إياها مع الألف عليها مع الباء، وفي كل باب إياها مع الألف على الباءين، وهلم جرا، إلى منتهى فصول الأبواب، وكذلك راعى النمط في أوساط الكلم وأواخرها، وقدم اللاحق فاللاحق