فهرس الكتاب

الصفحة 1124 من 1257

ومنها أن دار الشهداء في الجنة أحسن الدور وأفضلها، فقد أخرج البخاري في صحيحه عن سمرة بن جندب رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله: (( رأيت الليلة رجلين أتياني فصعدا بي الشجرة، فأدخلاني دارا هي أحسن وأفضل، لم أر قط أحسن منها قالا لي: أما هذه فدار الشهداء ) )، وأخرج الشيخان في صحيحيهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: جيء بأبي إلى النبي ـ أي: شهيدا يوم أحد ـ قد مثِّل به، فوضِع بين يديه، فذهبت أكشف عن وجهه، فنهاني قومي، فسمع النبي صوتَ صائحة فقال: (( لم تبكين؟ فلا تبكي، فوالله ما زالت الملائكة تظلّه بأجنحتها ) )، نسأل الله من واسع فضله.

ولذلك كان الشهيد وحده من أهل الجنة الذي يحبّ أن يرجع إلى الدنيا، كما في حديث أنس رضي الله عنه أن النبي قال: (( ما أحد يدخل الجنة يحبّ أن يرجع إلى الدنيا وأن له ما على الأرض من شيء إلا الشهيد، فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة ) )، وفي رواية: (( لما يرى من فضل الشهادة ) )أخرجه البخاري ومسلم.

ولذلك الفضل العظيم رأينا صحابة رسول الله يتسابقون إليها حتى قال عمير بن الحمام في بدر بعد أن ذكر رسول الله الجنة التي تنتظر الشهيد، فقال عمير بن الحمام: يا رسول الله، إلى جنة عرضها السموات والأرض؟! قال: (( نعم ) )، قال: بخ بخ، قال: (( ما يحملك على قول بخ بخ؟ ) )قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، فقال: (( فإنك من أهلها ) )، فأخرج تمرات معه فجعل يأكل منهن ثم قال: إن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى ما كان معه من التمر ثم قاتل حتى قتل رضي الله عنه.

وهذا حرام بن ملحان رضي الله عنه أحد القراء الذين بعث رسول الله يدعون قوما من المشركين إلى الإسلام ويقرؤون عليهم القران، فغدرت بهم رعل وذكوان من قبائل العرب وقتلوهم، وعند الاستشهاد قال في وجه قاتله: فُزت وربّ الكعبة، وأدبر قاتله من المشركين بعد إسلامه، وسأل عن معنى ذلك فقيل له: إنه قصد الشهادة، فكانت سببا في إسلام هذا القاتل. أخرج هذه القصة البخاري في صحيحه.

وهذا أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال: يا رسول، غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرينّ الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء ـ يعني أصحابه ـ، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء ـ يعني المشركين ـ، ثم تقدم واستقبله سعد بن معاذ رضي الله عنه فقال: يا سعد بن معاذ، الجنة وربّ النضر، إني لأجد ريحها دون أحد، قال سعد: فما استطعتُ ـ يا رسول ـ ما صنع، قال أنس: ووجدنا به بضعا وثمانين ما بين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، وجيء به وقد مثل به، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه. أخرجه البخاري ومسلم.

وأخرج النسائي في سننه بإسناد صحيح أن رجلا من الأعراب جاء إلى النبي فآمن به واتبعه ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي بعض أصحابه، فلما كانت غزاة غنم النبي، فقسم وقسم للأعرابي، فأعطى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت