فهرس الكتاب

الصفحة 1125 من 1257

أصحابه ما قسم له، وكان الأعرابي يرعى ظهرهم ـ يعني إبلهم وما يركبون من دواب ـ، فلما جاء دفعوه إليه فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك النبي، فأخذه فجاء به إلى النبي فقال: ما هذا؟ قال: (( قسمته لك ) )، قال الأعرابي: ما على هذا اتبعك، ولكن اتبعتك على أن أرمَى ها هنا ـ وأشار إلى حلقه ـ بسهم فأموت فأدخل الجنة، فقال النبي: (( إن تصدقِ الله يصدقك ) )، فلبثوا قليلا ثم نهضوا إلى قتال العدو، فأتي به النبي يحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي: (( أهو هو؟ ) )قالوا: نعم، قال: (( صدق الله فصدقه ) )، ثم كفنه النبي في جبته، ثم قدمه فصلى عليه، وكان مما ظهر من صلاته: (( اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك فقتل شهيدا، أنا شهيد على ذلك ) ). وأيّ شهادة ـ يا عبد الله ـ أرفع وأسمى وأصدق وأخلص من هذه الشهادة الكريمة العظيمة؟! وكم في حياة السلف ـ أيها الإخوة ـ من صور هذا الحبّ العاطر والشوق الظامئ إلى الظفر بمقام الشهادة.

وها نحن اليوم نرى بأم أعيننا ويرى العالم كلّه معنا هذه الصور العظيمة المتجدّدة من صور الانتفاضة والشهادة إن شاء الله على أرض بيت المقدس وعلى كلّ أرض فلسطين المسلمة الصابرة.

إننا في حاجة ـ يا عبد الله ـ إلى مواقف وصور تحيي في ضمير الأمة معاني الشهادة، وتبعث في روحها حبّ الاستشهاد من جديد، سيرا على درب السلف رضوان الله عليهم، ذلك الدرب الذي سلكه من قبلهم رسول الله والأنبياء من قبله، نصرًا لدين الله ودحرا لأعداء الله. وإذا كان في الأمة من يجيد أن يموت في سبيل الله فلا بد أن نرى في أمتنا من يعرفون أن يحيوا في سبيل الله ولدين الله. اللهم إنا نسألك أن تنزلنا منازل الشهداء الأبرار.

كذلك من الوقفات المهمة مع هذا الحدث أنه يذكرنا مبدأ الجهاد الذي لا بد أن نذكّر به ونحييه في مثل هذه الأزمات.

عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى فرض الجهاد على المسلمين وجعله ذروة سنام هذا الدين، ناشر لوائه، وحامي حماه، بل لا قيام لهذا الدين في الأرض إلا به كما قام أول مرة تحت ظلال السيوف، به نال المسلمون العز والتمكين في الأرض، وبسبب تعطيله حصل للمسلمين الذل والهوان والصغار، واستولى علينا الكفار، بل تداعت علينا أرذل أمم الأرض كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، وأصبحنا مع كثرتنا غثاء كغثاء السيل، نزع الله المهابة من قلوب أعدائنا ووضعها في قلوبنا، وما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا ذلوا، ولذلك أمر الله سبحانه وتعالى بمقاتلة المشركين كافة فقال في محكم كتابه: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [التوبة:36] ، وحثّ المؤمنين على القتال وحذرهم من التقاعس عن الجهاد والركون إلى الدنيا الفانية فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التوبة:39] ، وقد حثّ الإسلام على الغزو في سبيل الله حتى جعل أجر من جهز غازيا أو خلفه في أهله كأجر الغازي في سبيل الله، فعن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت