أقول والقلب يشدو فِي خَمائلها ... هذا الجمال إلى الفردوس ينتسب
يا للجبال إذا ما زينت وعلى ... سفوحها غرد الزيتون والعنب
يا للرُّبى والمروج الخضر مصبحة ... والورد من كل لون منظر عجب
هنا السموات بالأرض التقيْن وقد ... عم السرور جميع الكون والطرب
هذي فلسطين يا من ليس يعرفها ... كأن أحجارها القدسية الشهبُ
نعم، هذه فلسطين يا عباد الله، ما أحببناها لترابها ولا لجبالها، ولكن لبركاتها وخيراتها، ولما لها ولمسجدها الأقصى من مكانة في ديننا.
هذه فلسطين التي من أجلها نَهَد الأبطال وانطلق الرجال. من أجل فلسطين ـ أيها الإخوة ـ شد الأبطال عزائمهم وأسرجوا خيولهم وطاروا يسابقون الريح. من أجل فلسطين أراق الشهداء دماءهم وبذلوا أرواحهم رخيصة. من أجل فلسطين تتابعت التضحيات وعظم البذل.
وكم سجل التاريخ من مواقف عظيمة لأبطال عظماء هبوا دفاعًا عن فلسطين، وما بخلوا بغالٍ ولا نفيس.
لقد سار إليها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه على بعير، يَعْتقب عليه هو وغلام له، حتى إذا اعترضته مخاضة نزل عن بعيره فنزع مُوقَيه وخاض في الماء، ثم لما وصل إلى بيت المقدس صلى في محراب داود عليه السلام، وترنم بسورة الإسراء.
من أجل فلسطين امتنع الملك البطل نور الدين زنكي عن التبسم، وقال: أستحي من الله أن أتبسم وبيت المقدس في الأسر. ومن أجلها وقف هذا الملك الفذّ على تل حارم، وسجد لله ومرّغ وجهه في التراب، ودعا ربه: اللهم انصر دينك ولا تنصر محمودًا، ثم لقي الصليبيين الذين استولوا على بيت المقدس، لقيهم بثلاثين ألفًا وهم أزيد من مائة وخمسين ألفًا، فكسرهم وقتل منهم عشرة آلاف، وأسر عشرة آلاف أو أكثر.
ومن أجل فلسطين شمخ صلاح الدين برأسه، وشحذ سيفه، وأعدّ عدته، ليخرج الصليبيين من أرض الأقصى، كان في بيت المقدس نحو من ستين ألف مقاتل صليبي، كلّهم يرى الموت أهون عليه من تسليمها. لقد جهز صلاح الدين جيشه الذي لا يزيد عن اثني عشر ألف مقاتل، وجابه به جيوش الفرنجة التي تجاوز عددها ثلاثة وستين ألف مقاتل، والتقى الفريقان على أرض حطين، وحاصر المسلمون الصليبيين، وأحرقوا الحشائش الجافة من حولهم ومن تحتهم، فاجتمع عليهم حر الشمس وحر العطش وحر النار وحر السلاح، ثم أمر صلاح الدين بالحملة الصادقة، فمنح الله المسلمين أكتاف الفرنج، فقتلوا منهم ثلاثين ألفًا، وأسروا ثلاثين ألفًا، وبيع الأسير الصليبي يومئذ بدرهم، بل باع مسلم أسيرًا صليبيًا بنعلين، فقيل له: ما أردت بذلك؟! قال: أردت أن يكتب التاريخ هوانهم، وأن أحدهم بيع بنعلين.
ومن أجل فلسطين جرد العملاق مظفر قطز سلاحه، ووقف على عين جالوت، ليصد عن فلسطين ومصر طوفان التتار الهادر، لقد بعث له هولاكو وهو في الأشهر الأولى من مُلكه رسالة يقول له فيها: