اتَّعظوا بغيركم، فنحن لا نرحم من بكى، ولا نرقّ لمن شكا، أيّ أرض تؤويكم؟! وأي طريق تنجيكم؟! وأي بلاد تحميكم؟! فما لكم من سيوفنا من خلاص ومن مهابتنا مناص، الحصون عندنا لا تمنع، والعساكر لقتالنا لا تنفع، ودعاؤكم علينا لا يُسمع، قرأ قطز هذه الرسالة العاصفة، ثم ألقى ببصره ناحية القدس، وكأني به ناجاها فقال لها:
يا دامية العينين والكفين إنّ الليل زائلْ
لا غُرَف التوقيف باقية ولا زُرد السلاسلْ
وحبوب سنبلة تموت ستملأ الوادي سنابل
ثم أمر بالقبض على الرسل وإعدامهم، وعلقت رؤوسهم على باب زُوَيْلة. وفي رمضان من عام 658هـ اصطدم الجبلان في عين جالوت شمالي شرق فلسطين، وصاح قطز صيحته الشهيرة: وا إسلاماه، فانتفض الجند المسلم، ومنح الله للمسلمين أكتاف الكافرين، وترجّل قطز عن فرسه، ومرَّغ وجهه في التراب شكرًا لله.
ومن أجل فلسطين ضحى عبد الحميد بعرشه ومُلكه، وصكّ سمع هرتزل بكلماته المدويّة: لا أقدر أن أبيع ولو قدمًا واحدًا من فلسطين؛ لأنها ليست لي بل لشعبي، لقد حصل شعبي على هذه الإمبراطورية بدمائهم وسوف نغطّيها بدمائنا قبل أن نسمح لأحد باغتصابها. لقد حاربت كتيبتنا في سوريا وفي فلسطين، وقتل رجالنا الواحد بعد الآخر؛ لأن أحدًا منهم لم يرض بالتسليم، ليحتفظ اليهود ببلايينهم، فإذا قسمت الإمبراطورية فقد يحصل اليهود على فلسطين دون مقابل، إنها لن تقسم إلا على جثثنا، لماذا نترك القدس؟! إنها أرضنا في كل وقت وفي كل زمان، لا بد أن تظل القدس لنا.
ومن أجل فلسطين وقف الشيخ يوسف الجرار شيخ الجبل رحمه الله أمام حملات الفرنسيين، وتمكن وحده مع جنده القلة من تدويخ نابليون القائد الشهير الأسطوري الذي دوّخ العالم، واستطاع هذا الشيخ بمن معه أن يصدّ جيوشه عن عكا، ومن ثم عن فلسطين، وأن يبخِّر أحلامه بتأسيس إمبراطورية تمتد من مصر والشارم وصحارى الجزيرة إلى العراق وإيران والهند، وقد بلغ الغيظ بنابليون من هزيمته أمام الشيخ الجرار أن وقف بجوار سور عكّا، وقذف بخوذته إلى الأعلى، وقال: إن لم أدخل أنا فلتدخل خوذتي، وأخذ يقول لأحد ضباطه متأوِّهًا: لو فتحت عكّا لبدّلت وجه العالم، ثم أمر بقذف عكا بجميع ما يملك من مدافع مدى أربعة أيام، وقطع الماء عنها ودمر الكثير من عمارتها.
ومن أجل فلسطين قام الشيخ المجاهد عز الدين القسام ليكون شوكة في حلوق أبناء القردة والخنازير، قام بإمكاناته المتواضعة وعدده اليسيرة، ليجابه مدافع اليهود ورشاشاتهم وقنابلهم، لقد باع بيته الوحيد في حيفا، وباع أصحابه حُليّ زوجاتهم وبعض أثاث بيوتهم، ليوفروا الرصاص والبنادق، وتمكن القسام من أن يقض مضاجع اليهود سبع سنوات كاملات، إلى أن بذل روحه رضية في أحراش قرية"يعبد"بعد معركة استمرت أربع ساعات ونصف.