2 ـ لا يرتاب أحدٌ أنّه كان من حول الرسول الاَكرم (صلى الله عليه واله وسلم) كُتّاب يكتبون ما يملي عليهم من لسان الوحي، وكان (صلى الله عليه واله وسلم) قد رتّبهم لذلك، روى الحاكم بسندٍ صحيح عن زيد بن ثابت، قال: «كنّا عند رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) نؤلّف القرآن من الرقاع» (2) .
وقد نصّ المؤرخون على أسماء كُتّاب الوحي، وأنهاهم البعض إلى اثنين وأربعين رجلًا، وكان (صلى الله عليه واله وسلم) كلّما نزل شيءٌ من القرآن أمر بكتابته لساعته، روى البراء: أنّه عند نزول قوله تعالى: (لا يستوي القاعدون من
(1) الاتقان 1: 250.
(2) المستدرك 2: 611.
المؤمنين (النساء4: 95) قال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) : «ادعُ لي زيدًا، وقُل يجيء بالكتف والدواة واللّوح، ثمّ قال: اكتب (لا يستوي ... ) » (1) .
وكان (صلى الله عليه واله وسلم) يشرف بنفسه مباشرة على ما يُكْتَب ويراقبه ويصحّحه بمجرد نزول الوحي، روي عن زيد بن ثابت قال: «كنتُ أكتب الوحي لرسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) ، وكان إذا نزل عليه الوحي أخَذَتْهُ برحاء شديدة ... فكنت أدخل عليه بقطعة الكتف أو كسرة، فأكتب وهو يُملي عليّ، فإذا فرغت قال: «اقرأه» ، فأقرؤه، فإن كان فيه سقط أقامه، ثمّ أخرج إلى الناس» (2) .
أمّا في مفرّقات الآيات فقد روي عن ابن عباس، قال: «إنّ رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) كان إذا نزل عليه الشيء دعا من كان يكتب فيقول: ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا» (3) وذلك منتهى الدقّة والضبط والكمال.
3 ـ روي في أحاديث صحيحة «أنّ جبرئيل كان يعارض رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) القرآن في شهر رمضان، في كلِّ عامٍ مرّة، وأنّه عارضه عام وفاته مرّتين» (4) وكان رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) يعرض ما في صدره على مافي صدور الحفظة الذين كانوا كثرة، وكان أصحاب المصاحف منهم يعرضون القرآن
(1) كنز العمال 2: حديث 4340.
(2) مجمع الزوائد 1: 152.
(3) المستدرك 2: 222، الجامع الصحيح للترمذي 5: 272، تاريخ اليعقوبي 2: 43، البرهان للزركشي 1: 304، مسند أحمد 1: 57 و 69، تفسير القرطبي 1: 60.
(4) كنز العمال 12: حديث 34214، مجمع الزوائد 9: 23، صحيح البخاري 6: 319.
على النبي (صلى الله عليه واله وسلم) ، فعن الذهبي: «أنّ الذين عرضوا القرآن على النبي (صلى الله عليه واله وسلم) سبعة: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبدالله بن مسعود، وأُبي ابن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الاَشعري، وأبو الدرداء» (1) .
وعن ابن قتيبة: «أنّ العرضة الاَخيرة كانت على مصحف زيد بن ثابت» (2) ، وفي رواية ابن عبدالبرّ عن أبي ظبيان: «أنّ العرضة الأخيرة كانت على مصحف عبدالله بن مسعود» (3) .
4 ـ وفي عديد من الروايات أنّ الصحابة كانوا يختمون القرآن من أوله إلى آخره، وكان الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) قد شرّع لهم أحكامًا في ذلك، وكان يحثّهم على ختمه، فقد روي عنه (صلى الله عليه واله وسلم) أنّه قال: «إنّ لصاحب القرآن عند كلِّ ختم دعوةً مستجابةٍ» (4) . وعنه (صلى الله عليه واله وسلم) قال: «من قرأ القرآن في سبعٍ فذلك عمل المقربين، ومن قرأه في خمسٍ فذلك عمل الصدّيقين» (5) . وعنه (صلى الله عليه واله وسلم) قال: «من شهد فاتحة الكتاب حين يستفتح كان كمن شهد فتحًا في سبيل الله، ومن شهد خاتمته حين يختمه كان كمن شهد الغنائم» (6) .
ومعنى ذلك أنّ القرآن كان مجموعًا معروفًا أوّله من آخره على عهد
(1) البرهان للزركشي 1: 306.
(2) المعارف: 260.
(3) الاستيعاب 3: 992.
(4) كنز العمال 1: 513حديث 2280.
(5) كنز العمال 1: 538حديث 2417.
(6) كنز العمال 1: 524حديث 2430.
رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) ، فعن محمد بن كعب القرظي، قال: «كان ممّن يختم القرآن ورسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) حيّ: عثمان، وعليّ، وعبدالله بن مسعود» (1) .
(يُتْبَعُ)