والوجه الذي ذكره بن المنادي ليس بواضح، ويعكر عليه ما أخرجه الطبراني من طريق قيس بن جابر الصدفي عن أبيه عن جده رفعه: سيكون من بعدي خلفاء ثم من بعد الخلفاء أمراء، ومن بعد الأمراء ملوك، ومن بعد الملوك جبابرة، ثم يخرج رجل من أهل بيتي يملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا، ثم يؤمر القطحاني فوالذي بعثني بالحق ما هو دونه. فهذا يرد على ما نقله بن المنادي من كتاب دانيال.
وأما ما ذكره عن أبي صالح فواهٍ جدًا، وكذا عن كعب ....
فالأولى أن يحمل قوله: يكون بعدي اثنا عشر خليفة، على حقيقة البعدية فإن
جميع من ولي الخلافة من الصديق الى عمر بن عبد العزيز أربعة عشر نفسًا، منهم اثنان لم تصح ولايتهما، ولم تطل مدتهما، وهما معاوية بن يزيد ومروان بن الحكم، والباقون اثنا عشر نفسًا على الولاء، كما أخبر صلى الله عليه وسلم، وكانت وفاة عمر بن عبد العزيز سنة إحدى ومائة، وتغيرت الأحوال بعده، وانقضى القرن الأول الذي هو خير القرون.
ولا يقدح في ذلك قوله: يجتمع عليهم الناس، لأنه يحمل على الأكثر الأغلب، لأن هذه الصفة لم تفقد منهم إلا في الحسن بن علي وعبد الله بن الزبير، مع صحة ولايتهما، والحكم بأن من خالفهما لم يثبت استحقاقه إلا بعد تسليم الحسن، وبعد قتل بن الزبير. والله أعلم.
وكانت الأمور في غالب أزمنة هؤلاء الإثني عشر منتظمة، وإن وجد في بعض مدتهم خلاف ذلك فهو بالنسبة الى الإستقامة نادر. والله أعلم.
وقد تكلم ابن حبان على معنى حديث تدور رحى الإسلام، فقال: المراد بقوله: تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين، انتقال أمر الخلافة الى بني أمية وذلك أن قيام معاوية عن علي بصفين حتى وقع التحكيم، هو مبدأ مشاركة بني أمية ثم استمر الأمر في بني أمية من يومئذ سبعين سنة، فكان أول ماظهرت دعاة بني العباس بخراسان سنة ست ومائة، وساق ذلك بعبارة طويلة، عليه فيها مؤاخذات كثيرة، أولها دعواه أن قصة الحكمين كانت في أواخر سنة ست وثلاثين، وهو خلاف ما اتفق عليه أصحاب الأخبار، فإنها كانت بعد وقعة صفين بعدة أشهر، وكانت سنة سبع وثلاثين. والذي قدمته أولى بأن يحمل الحديث عليه. والله أعلم. انتهى.
وقد رأيت أن ما اختاره ابن حجر غير ما نسبه اليه السيوطي ..
ورأيت تحيرهم جميعًا وكثرة احتمالاتهم، وتضاربها! وأن أكثرهم أخذوا زيادة
(تجتمع عليه الأمة) محورًا لتفسيرهم، مع أنها لم تثبت واستنكرها عدد منهم ورأيت أن القاضي عياض لم يجزم بشىَ، بل ذكر وجوهًا عديدة بكلمة قيل ويحتمل .. وأن ابن حجر رجح الإحتمال الثالث منها، فقال (وينتظم من مجموع ما ذكراه أوجهٌ أرجحها الثالث من أوجه القاضي) .
والنتيجة التي يخرج منها القارىء لتفاسيرهم: أنهم يضيعون عليه الحديث الذي أرادوا أن يفسروه، وهو حديث صحيحٌ عندهم صريحٌ بالبشارة النبوية باثني عشر إمامًا ربانيين، هداةٍ مهديين، قيمين على الأمة، ولكنهم يصرون على تلبيس الحديث لحكام بني أمية، وعلى خلطه بزيادةٍ وأحاديث غير ثابتة، لا يستقيم لها معنى، ولا أثر فيها للبلاغة النبوية!!
وإذا أردت مزيدًا من الأمثلة على ضياعهم فاقرأ عون المعبود 11>362 ـ 364:
قال: بعض المحققين: قد مضى منهم الخلفاء الأربعة، ولا بد من تمام هذا العدد قبل قيام الساعة. وقيل: إنهم يكونون في زمانٍ واحد يفترق الناس عليهم.
وقال التوربشتي: السبيل في هذا الحديث وما يعتقبه في هذا المعنى، أن يحمل على المقسطين منهم، فإنهم المستحقون لاسم الخليفة على الحقيقة، ولا يلزم أن يكونوا على الولاء.
وإن قدر أنهم على الولاء، فإن المراد منه المسمون على المجاز! كذا في المرقاة.
وقال الشيخ الأجل ولي الله المحدث في قرة العينين في تفضيل الشيخين: وقد استشكل في حديث: لا يزال هذا الدين ظاهرًا الى أن يبعث الله اثني عشر خليفةً كلهم من قريش، ووجه الإستشكال: أن هذا الحديث ناظرٌ الى مذهب الإثني عشرية الذين أثبتوا اثني عشر إمامًا.
والأصل أن كلامه صلى الله عليه وآله بمنزلة القرآن يفسر بعضه بعضًا، فقد ثبت من حديث عبد
(يُتْبَعُ)