أما بعد أيها الناس، فإن كل دمٍ كان في الجاهلية فهو هدر، وإن أول دمائكم أهدر دم ربيعة بن الحارث، كان مسترضعًا في بني ليث فقتلته هذيل. وكل ربًا كان في الجاهلية فهو موضوع، وإن أول رباكم أضع ربا العباس بن عبد المطلب.
أيها الناس إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، رجب مضر الذى بين جمادى وشعبان وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم، إنما النسىَ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا، ليواطئوا عدة ماحرم الله. كانوا يحلون صفر عامًا ويحرمون المحرم عامًا فذلك النسىَ.
يا أيها الناس: من كانت عنده وديعةٌ فليؤدها الى من ائتمنه عليها.
أيها الناس: إن الشيطان أيس أن يعبد ببلادكم آخر الزمان، وقد رضي منكم بمحقرات الأعمال، فاحذروا على دينكم محقرات الأعمال.
أيها الناس: إن النساء عندكم عوان، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن
بكلمة الله، لكم عليهن حق ولهن عليكم حق، ومن حقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم غيركم، ولا يعصينكم في معروف، فإن فعلن ذلك فليس لكم عليهن سبيل، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، فإن ضربتم فاضربوا ضربًا غير مبرح.
لايحل لامرىَ من مال أخيه إلا ما طابت به نفسه.
أيها الناس: إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله فاعملوا به.
أيها الناس: أي يوم هذا؟
قالوا: يوم حرام.
قال: فأي بلد هذا؟
قالوا: بلد حرام.
قال: فأي شهر هذا؟
قالوا: شهر حرام.
قال: فإن الله تبارك وتعالى حرم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة هذااليوم وهذا الشهر وهذا البلد. ألا ليبلغ شاهدكم غائبكم، لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم. ثم رفع يديه فقال: اللهم اشهد. قلت في الصحيح وغيره طرف منه ـ رواه البزار وفيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف.
ـ وفي مجمع الزوائد: 3>272
وعن فهد بن البحيرى بن شعيب بن عمرو بن الأزرق قال: خرجت الى مكة فلما صرت بالصحرية، قال لي بعض إخواني: هل لك في رجلٍ له صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: نعم، قال صاحب القبة المضروبة في موضع كذا وكذا، فقلت لأصحابى: قوموا بنا إليه، فقمنا فانتهينا الى صاحب القبة، فسلمنا فرد السلام فقال: مَنِ القوم؟
قلنا: قومٌ من أهل البصرة بلغنا أن لك صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: نعم، صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقعدت تحت منبره يوم حجة
الوداع، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن الله يقول:
يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم، فليس لعربي على عجمي فضل، ولا لعجمي على عربي فضل، ولا لأسود على أحمر فضل، ولا لأحمر على أسود فضل، إلا بالتقوى.
يامعشر قريش لا تجيئوا بالدنيا تحملونها على رقابكم وتجىَ الناس بالآخرة، فإني لا أغني عنكم من الله شيئًا.
قلنا: ما اسمك؟ قال: أنا العداء بن خالد بن عمرو بن عامر، فارس الضحياء في الجاهلية. رواه الطبراني في الكبير بأسانيد هذا ضعيف. وتقدم له إسناد صحيح في الخطبة يوم عرفة.
وعن أبي قبيلة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام في الناس في حجة الوداع فقال: لا نبي بعدي، ولا أمة بعدكم، فاعبدوا ربكم، وأقيموا خمسكم، وصوموا شهركم، وأطيعوا ولاة أمركم، ثم ادخلوا جنة ربكم. رواه الطبراني في الكبير، وفيه بقية وهو ثقة ولكنه مدلس، وبقية رجاله ثقات.
ـ وفي سنن الدارمي: 2>47
فلما كان يوم التروية وجه الى منى فأهللنا بالحج، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ثم مكث قليلًا حتى إذا طلعت الشمس، أمر بقبة من الشعر تضرب له بنمرة، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسار، لا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية في المزدلفة، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت بنمرة فنزلها، حتى إذا زاغت يعني الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس، وقال:
(يُتْبَعُ)