ـ وفي سنن الترمذي: 3>293
عن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته عام حجة الوداع .... ومن ادعى الى غير أبيه، أو انتمى الى غير مواليه، فعليه لعنة الله التابعة الى يوم القيامة.
ـ وفي مسند أحمد: 4>239
عن عمرو بن خارجة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمنى على راحلته، وإني لتحت جران ناقته، وهي تقصع بجرتها، ولعابها يسيل بين كتفي، فقال: ألا ومن ادعى الى غير مواليه رغبةً عنهم، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. ورواه أحمد: 4>187 بلفظ: ألا ومن ادعى الى غير أبيه، أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا أو عدلًا ولا صرفًا. انتهى. ورواه بعدة روايات في نفس الصفحة والتي قبلها، وفي ص 238 و 186، ورواه الدارمي في سننه: 2>244 و344، ومجمع الزوائد: 5>14، عن أبي مسعود، ورواه البخاري في صحيحه: 2>221، و: 4>67
ولعلك تسأل: ماعلاقة هذه اللعنة المشددة المذكورة في خطب حجة الوداع وغيرها بوصية النبي صلى الله عليه وآله بأهل بيته؟! فهي تنصب على الذي ينكر نسبه من أبيه وينسب نفسه الى شخص آخر، وعلى العبد الذي ينكر مالكه ويدعي أنه عبد
لشخص آخر، أو ينكر ولاءه وسيده الذي أعتقه، ويدعي أن ولاءه لشخص آخر!
فهذا هو معنى (من ادعى لغير أبيه أو تولى غير مواليه) !
والجواب: أن مقصود النبي صلى الله عليه وآله بالأبوة في هذه الأحاديث الشريفة: أبوته هو المعنوية للأمة، وبالولاء: ولايته وولاية أهل بيته عليها، وليس مراده الأبوة النسبية وولاء المالك لعبده!
والدليل على ذلك: لو أن ولدًا هرب من أبيه، وسجل نفسه باسم والدٍ آخر، ثم تاب من فعلته وصحح هويته، واستغفر الله تعالى .. فإن الفقهاء جميعًا يفتون بأن توبته تقبل!
ولو أن عبدًا مملوكًا هرب من سيده ولجأ الى شخص، وادعى أنه سيده، وبعد مدة رجع الى سيده واستغفر الله تعالى .. فإن الفقهاء يفتون بأن توبته تقبل.
بينما الشخص الملعون في كلام النبي صلى الله عليه وآله مصبوبٌ عليه الغضب الإلهي الى الأبد! (فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا) . والصرف هو التوبة، والعدل الفدية، وقد فسرتهما الأحاديث الشريفة بذلك.
فهذه العقوبة الإلهية المذكورة في خطب حجة الوداع، إنما تصح لحالات الخيانة العظمى، مثل الإرتداد وشبهه، ولا يعقل أن تكون لولدٍ جاهلٍ يدعو نفسه لغير أبيه، أو لعبدٍ مملوكٍ أو مظلومٍ يدعو نفسه لغير سيده!
ويؤيد ذلك أن بعض رواياتها صرحت بكفر من يفعل ذلك، وخروجه من الإسلام! كما في سنن البيهقي: 8>26، ومجمع الزوائد: 1>97، وكنز العمال: 5>872. وفي كنز العمال: 10 > 324 (من تولى غير مواليه فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه. أحمد عن جابر) .
ـ وفي>326 (من تولى غير مواليه فليتبوأ بيتًا في النار. ابن جرير عن عائشة)
ـ وفي>327 (من تولى غير مواليه فقد كفر. ابن جرير عن أنس) .
ـ وفي: 16>255 (ومن تولى غير مواليه فهو كافر بما أنزل الله على رسوله. ش)
ولا نحتاج الى تتبع هذه الأحاديث في مصادرها وأسانيدها، لأنها مؤيداتٌ لحكم العقل القطعي بأن مقصوده صلى الله عليه وآله لا يمكن أن يكون الأب النسبي، ومالك العبد.
ويؤيد ذلك أيضًا: أن بعض رواياته كالتي مرت آنفًا وغيرها من روايات أحمد، ليس فيها ذكر للولد والوالد، بل اقتصرت على ذكر العبد الذي هو أقل جرمًا من الولد ومع ذلك زادت العقوبة واللعنة عليه، ولم تخففها!
ويؤيد ذلك أيضًا: أن هذه اللعنة وردت في بعض روايات الخطب الشريفة، بعد ذكر ماميز به الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام من مالية خاصة هي الخمس، وحرم عليهم الصدقات والزكوات!
ـ ففي مسند أحمد: 4>186
خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته فقال: ألا إن الصدقة لا تحل لي ولا لأهل بيتي، وأخذ وبرةً من كاهل ناقته، فقال: ولا ما يساوي هذه، أو ما يزن هذه. لعن الله من ادعى الى غير أبيه، أو تولى غير مواليه. انتهى.
(يُتْبَعُ)