الشريفة ازدحم الملوك على لثم يمينه. وعساكره المنصورة [1] ما سلكت فجّا إلا سبقت سيوفها العذل، وقالت الأعداء وقد ماتت أكثر نفوسها: «ليتنا عشنا بالذي فضل إن حصل» [2] : [من البسيط]
وضاقت الأرض حتى كان هاربها ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
فبعدها وإلى ذا اليوم لو ركضت ... بالخيل في لهوات الطفل ما سعلا
وإذا أمطر سحاب جوده وأغدق، طلب كل من الناس الملاحظة بعين الرحمة لأن لا يغرق. وقد تقدم أن هذا البيت الشريف لا بد أن ينتخب له من يقوم بشعائره، ويرفع منابر شكره لخطباء محاسنه من بادئه وحاضره، ويكون الرجل الذي أشار إليه أبو الطيب بقوله [3] في حسن مآثره [4] : [من البسيط]
إذا تغلغل فكر المرء في طرب ... من مجده غرقت فيه خواطره
ليظهر منه إذا أعرب عن نحو الملك حسن التصريف، ويرى منه في نظم بيوته وتشييدها بديع الجناس والترصيف، ويكون أحذق طبيب في استقصاء أعراضه، وأسبق سهم إلى بلوغ أغراضه، وأسعد مشير لم يفتقر الملك بحسن رأيه إلى رفع رايه، وأكرم جواد لم يصل معه مجار في حلبة الكرم إلى غايه.
ولما كان المقر العالي، الكبيري، المدبري، المشيري، الفخري، عبد الغني بن أبي الفرج أعز الله أنصاره [5] هو ابن نجدة هذه الأوصاف الجميلة وأبو عذرتها، والفخر الذي انحصرت فيه هذه المفاخر ولبس تفاصيل جملتها، والسيف الذي سلّ من هذا الغمد الشريف فأقام حدود الملك وما كلّ، وتنصّل غيره إذ لم يكن في مضربه جوهر، ولكن بئس ما تنصل، والمتيقظ الذي نبّهناه فنامت عين الملك قريره، وبان إدبار الأعداء لما صار مدبّره ومشيره، اقتضت آراؤنا الشريفة تشريفه على الغير والمجانسة له بلبس تشريفه، وأن يهزّ مثقف إنشائنا في تقليده فإنه في غنية من التعريف والتثقيف.
(1) المنصورة: ساقط من بر.
(2) إن حصل: ساقط من طب، ها.
(3) بقوله: ساقط من طب، تو.
(4) «شرح ديوان المتنبي» ج 2ص 223.
(5) أعز الله أنصاره: ساقط من طب.