واليوم كل نقطة في وجنة طرس حسنه، وكان تخت الملك قد أعرب عن الكسر فرفعه الله مكانا عليّا، وأعاده إلى عصر الشبيبة وقد بلغ {مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} [1] . وطارت بمحلق هذه البشرى أجنحة النسيم وحملتها بطاقه، وأبدى لسان الدهر حديثها في أقطار الأرض مقدمة وساقه، وأيقنت الأمّة أن عوّد عدله تصير في استقصاء أعراضها ملاطفة، وأنه يكشف عنها وحشة ليس لها من دون الله كاشفة. وقد أظهر الله صلاحه وأورثه ملك الأرض وأهل الفساد عنها جامحون، وهو القائل: {لَقَدْ كَتَبْنََا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهََا عِبََادِيَ الصََّالِحُونَ} [2] . وسلطاننا بحمد الله صالح وظاهر وهو من العالمين العاملين. ولقد اتّصل حبل السلطنة بعدله: {فَقُطِعَ دََابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ الْعََالَمِينَ} [3] . [من المتقارب]
وحقّكم لم يكن في الورى ... سواه يسدّد أحوالها
ولو نالها أحد غيره ... لزلزلت الأرض زلزالها [4]
وحيث متّع الله الملك بمولانا السلطان الملك الظاهر أبي الفتح ططر وحظي بعد التمتع بلقائه، وعلم أنه يستغني عن بقية الخلق ببقائه، وهبّت نسمات القبول بما تحملته من عاطر الأنفاس، وثبت أنه عمدة المسلمين في البأساء [5] والضرّاء وحين الباس. فوّض إليه مولانا أمير المؤمنين ما ولّاه الله من أمور المسلمين، في بلاده وعباده، وأسند إليه ما في يده ووراء سريره، فحكمت قضاة قضاة الإسلام بصحة إسناده، وقدمه للإمامة فقال المسلمون بعد التهليل: «الله أكبر» : [من الكامل]
ولو أنّ مشتاقا تكلّف فوق ما ... في وسعه لسعى إليه المنبر
وعهد إليه بعد التفويض عهدا أدخله في توثيق عرى الإيمان فزرّر به طوق [6]
الإجابة، واشتمل على ما اشتملت عليه الخلافة العباسية فأذعن المسلمون له بالإنابه.
وقلده ذلك بعدا وقربا، وشرقا وغربا، وقبلة وشمالا، وإقامة وارتحالا، وبرا وبحرا،
(1) سورة مريم 19/ 8.
(2) سورة الأنبياء 21/ 105.
(3) سورة الأنعام 6/ 45.
(4) تضمين للآية الأولى من سورة الزلزلة 99.
(5) البأساء: ها: السراء.
(6) طوق: طب: طواف.