وكم قال هذا المنصب: «ربّ قد أضعفني اليتم وصار الباطل قويّا، {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} [1] ، فإنه الوليّ الذي لا يخاف إذا عزل به قوم عن أحكام القضاء غافلون، تمسكا بقوله تعالى: {أَلََا إِنَّ أَوْلِيََاءَ اللََّهِ لََا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلََا هُمْ يَحْزَنُونَ} [2] . وقد اطمأنّ قلب كل يتيم ويتيمة أرمله. وقالا بعد حمد الله: «هذا وليّ من لا وليّ له» ، ومشى حال كل واقف كان وقفه جاريا فاعتراه وقفه، وصدقت الرسل وأعلن شهود الحق بالشهادة وغضّ كل ناظر طرفه، ومال الصدقات كان قد منع صرفه فألقى موانعه وصرفه لما أعرب عن هباته، وأهل الصدقات ما برحوا معترفين بصدقاته، وأهل مكة والمدينة رفعوا لهذه البشرى علمين، وقالوا: «هذا على الحقيقة قبلة العلماء وإمام الحرمين» ، وهبّ نسيمه العراقي فترنم الناس بحسن إيقاعه في الصعيد والحجاز، ورنح أعطاف الدوح الشامي فإنه نسيم قبول له في القلوب على الحقيقة مجاز، وهذا التقليد كما قال الفاضل موقعه موقع طوق الحمامة تتقلده ولا يقلع، فإن سجعت على عودها فمطوّقها بين الأوراق المثمرة بالعلم يسجع. ومن بديع الاتفاق في حكاية الحال، ما قرره الفاضل في الأيام الصلاحية وقال: «وما كان الله ليخلي مصر وهي خزائن [3]
الأرض من أن يوطنها مفتاح علوم شرعه، ولا ليعطلها وهي كنانة الله من سهم قسمه بين أوليائه وأعدائه سهما لضرّه وسهما لنفعه»، وزماننا قد سمح بهذا الولي وهو سهم هذه الكنانة الذي وصلنا به إلى الأغراض الصائبه، ولم نخرج [4] لصدق ولايته عن الأمور الواجبه، فإنه العالم الذي حاز كثيرا من العلم عجز الأنام من أقلّه.
وإذا أشرنا إليه بقول الشاعر فقد وضعنا الشيء في محلّه: [من البسيط]
إذا تغلغل فكر المرء في طرف ... من فضله غرقت فيه خواطره
ما ندب إلى ولاية غير مستحق إلا قال مورّيا به: «لا مهلا» ، ولا حاول أمرا شرعيا عجز عنه الغير إلّا: [من السريع]
قال له الشرع: امض ما تحاوله ... واقض قضاء لا يردّ قائله
(1) سورة مريم 19/ 5.
(2) سورة يونس 10/ 62.
(3) خزائن: قا: خزانة.
(4) نخرج: قا: يخرج.