بحمرة الشفق من طول تسهيده، والحاكم الذي أعزّ الله أحكامه، وكيف لا والبخاري من بعض شهوده. وقد فتح الله له باب شرحه، فكل عالم إلى الدخول من هذا الباب جاري، وما شك مسلم أن هذا الفتح المبارك فتح الباري. نحمده على الإلهام إلى وضع الأشياء في محلها، ونشكره على العمل بقوله: {إِنَّ اللََّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمََانََاتِ إِلى ََ أَهْلِهََا} [1] . ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة يتميز مؤدّيها عند الحكم العدل بالعداله، ويرى علامة القبول ويتناول بخط الكرام الكاتبين إسجاله.
ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي من أتقن علوم حديثه كان أحمد هذه الأمه، وشهابها الذي يزيل عنها من دجى الإشكال كل ظلمه. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة ما برح الحكم بموجب بركاتها مسجلا، وفضل حديثها القديم مع الرواة مسلسلا، وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد، فمنصب الشرع الشريف قد فهمنا من لسان حاله ما يغني عن بيان المنطق وبلاغته، وعلمنا أنه مفتقر إلى شافعي تتكمّل صحّة العقود بثبوت كفاءته، وملتفت إلى إمام يصلي أئمة العلم خلف إمامته، وتعزّ الأصحاب في أيامه بأحمد وصحابته. ولقد أكثر هذا المنصب سؤاله أن يتأيد بهذا الإمام في الأيام المؤيديه، وكرر ذلك على أن يستضيء بنوره الظاهر في الأيام الظاهريه، وأبى الله أن يظهر هذا الشهاب في غير أيامنا [2]
الأشرفيه، وإن تأخر فتأخره في الوقت لا في الدرجة العاليه، فإن المناصب تارة يسمو بها صاحبها وتارة تكون بمثل هذا الشهاب الزاهر ساميه، فإنه ممن يجلّ أن يقال في ولاية مثله: «ليت ولولا» [3] ، وإن تقدمته ولاية فلسان الحال يتلو: {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى ََ} [4] : [من البسيط]
وقد طوينا به أخبار من سلفوا ... لأنّه علم بالفضل منشور [5]
أحاط بالعلم حتى صار [6] يحصره ... كأن أفكاره من حوله سور
(1) سورة النساء 4/ 58.
(2) في غير أيامنا: طب: في أيامنا.
(3) ولولا: طب: ولا.
(4) سورة الضحى 93/ 4.
(5) منشور: قا: مشهور.
(6) صار: قا: كاد