أما بعد، فديوان إنشائنا الشريف كان سيف ناموسنا [1] قد ضرب عنه صفحا، ونسيت الأيام الفاضلية واستدّ الفتح القدسي ولم نر لباب من أبواب هذا العلم فتحا، واختفت محاسن ابن عبد الظاهر، ونسي سجع المطوق على أفنان البلاغة ولم يظهر لحدائق المنثور فرع زاهر، وذوت دوحة الإنشاء وقصفت غصون أقلامها، وعبّس ثغر سينها وانحدب ظهر دالها ولم يتوصّل إلى التعريف بلامها، وصار لصرير القلم في صدر كل طرس أنّه. وكان لصوت غنائه على دفوف الأوراق غنّه، وفقد خدّ الطّرس حسن العوارض من تشاعير لاماته، ومحيت سود نقطه التي كانت تعدّ من حسناته، وضيّق الجهل خناق قلمه وفطس، وأخرس لسانه بعد ما كان يتكلم من صريره بنفس، وبطل تشبيب هذا اليراع [2] على المثالث من سجعاته والمثاني، وقال المنشئ: «لا من يدي» فقال القلم: «لا من لساني» ، وبطلت أحكام القاضي الفاضل، ولهذا أصبح غريم الدهر لذوي الاستحقاق يماطل، وقيّد كميت قلم الإنشاء ولم يطلق عنانه، وأراد يغرّد بسجعه فقطع لسانه، ودفن بعد قبضه في تابوت دواته، ولبس النقس عليه السواد لأنه فقد حلاوة لسانه وعذوبة رشفاته. وقضى الإنشاء نحبه وكان وشيه المرقوم على صفحات الدهر منقوشا، وكانت سجعاته تجلس من طروسها على أسرّة الملك فأمست تلك الأسرة لها نعوشا، وحبست سطوره وتقيّدت بقيود ميماتها وتسلسلت، ولم ترض قرينة صالحة مراجعة قلبها بعد ما ترمّلت. وفقد [3] السجع فمزّق طوقه [4] الحمام، وأمسى غريب الإنشاء بلا صاحب. والغريب إذا فقد الصحبة كره المقام، وبعد تلك الفترة ظهرت الشمس المحمدية فعوّذتها الأمة بالسماء والطارق، واهتدينا عند طلوعها بمطلع الأنوار وبهجة المشارق، وتسامى ديوان إنشائنا الشريف بهذه الطلعة الشمسية وشق جيب ظلامه، وود القمر أن يكون له طرسا وسواد الليل مدادا وتطاول الرامح إلى أن يكون من بعض أقلامه، وإن قيل أنه كان للإنشاء فاضل ليس له مناظر ولا مناضل، فما شك
(1) فديوان إنشائنا الشريف كان سيف ناموسنا: طب: فديوان إنشائنا الشريف كان سيف ناموسنا الشريف ق، قا: فديوان إنشائنا كان سيف ناموسنا الشريف تو: فديوان إنشائنا كان ناموسا الشريف.
(2) اليراع: قا: الربوع.
(3) وفقد: ها: ونفد.
(4) طوقه: طب: طوق.