أنهاره فلم يبق له مغنى، وكسر الدفّ لما خرج نهر المغنية عن المغنى، واستسمع الناس من قال: [من السريع]
إنهض إلى الربوة مستمتعا ... تجد من اللذات ما يكفي
فالطير قد غنّى على عوده ... في الروض بين الجنك والدفّ
وأضحت [1] أوقات الربوة بعد ذلك العيش الخضل واليسر عسيره، ولقد كان أهلها في {ظِلٍّ مَمْدُودٍ وَمََاءٍ مَسْكُوبٍ وَفََاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ} [2] ، فعبس بعد ذلك ثغر روضها الباسم، وضاع من غير تورية عطره الناسم، ولم ينتظم لزهر المنثور على ذلك الوشي المرقوم رسالة سحريه. وكيف لا وقد محي سجع المطوّق من طروس تلك الأوراق النباتيه، هذا وكم عروس روض قعد لمعصمها النقش فلما انقطع نهرها صحّ أنها كسرت السوار، وكم دولاب نهر بطل غناه على تشبيب النسيم بالقصب، وعطلت نوبته من تلك الأدوار، فوقفت أندب ذلك العيش الذي كان بذلك التشبيب موصولا، وأنشد ولم أجد لي بعد تلك النوبة المطربة إلى مغنى الربوة دخولا: [من البسيط]
لم لا أشبّب بالعيش الذي انقرضت ... أوقاته وهو باللذات موصول
ونقص يزيد فاحترق ولا ينكر ليزيد الحريق على صنعه، وانقطع ظهر توراه فأهلك الحرث والنسل بقطعه، وذاب بردا وحمي مزاجه لمّا شعر بالحريق، ولم يبق في ثغره إلا شنب بدرّ حصبائه ما يبل الريق. وانقطع وقد اعتل [3] من غيضه باناس، ولم يظهر عند قطعه خلاف ولا بان آس. وجرى الدم من شدة الطعن بالقنوات، وكسرت قناة المزّة فذاقت مر العيش بعد حلاوة تلك القطوف الدانيات. وكسر الخلخال لما قام الحرب على ساقه، * وسقط رأس كل غصن على الجبهة فهاجت البلابل على أوراقه * [4] . وخرّ نهر حمص خاضعا وتكدر بعد ما كان يصفي لنا قلبه، * وافتقر أغنياء غصونه من حبات تلك الثمار فصاروا لا يملكون حبّه * [5] ، طال ما كان أهله فاكهين، ولكنهم اعترفوا بذنوبهم
(1) وأضحت: ها: وأصبحت.
(2) سورة الواقعة 56/ 3230.
(3) اعتل: نب: انقطع.
(4) ما بين النجمتين ساقط من طب.
(5) ما بين النجمتين ساقط من تو.