وأمّيت بعد ذلك إلى الجامع الأموي فإذا هو لأشتات المحاسن جامع، وأتيته طالبا لبديع حسنه فظفرت بالاستضاءة والاقتباس من ذلك النور الساطع. وتمسكت بأذيال حسنه لما نشقت تلك النفحات السحريه، * وتشوقت إلى النظم والنثر لما نظرت إلى تلك الشذور الذهبيه * [1] ، وآنست من جانب طوره نارا فرجع إليّ ضياء حسي، واندهشت لذلك الملك السليماني وقد زها بالبساط والكرسي، فقلت: «هذا ملك سعد من وقف في خدمته خاشعا، وشقي من لم يدس بساطه ويأتيه طائعا» ، ولقد صدق من قال: [من الطويل]
أرى الحسن مجموعا بجامع جلّق ... وفي صدره معنى الملاحة مشروح
فإن يتغالى بالجوامع معشر ... فقل لهم: باب الزيادة مفتوح
معبد له قصبات السبق ولكن كسرت عند قطع الماء قناته، ورأيته في القلّة من شدة الظمأ وقد قويت من ضجيج المسلمين أناته. وخفّض النسر جناح الذل وود أن يكون النسر الطائر، وطمست مقل تلك المصابيح فاندهش لذلك الناظر. هذا وكم نظرت إلى حجر مكرّم ليس له بعد إكسير الماء جابر. واختفت نجوم تلك الأطباق التي كانت كالقلائد في جيد الغسق، ومرّت حلاوة نارها [2] بعد ما ركبت طبقا عن طبق، وأصبح دوحه وهو بعد تلك النضارة والنعيم ذابل، وكادت قناديله وقد سلبت لفقد الماء أن تقطع السلاسل. ولم تشر الناس بأصابعها إلى فصوص تلك الخواتم المذهبه، ولم تبق على ذلك الصحن طلاوة بعد الماء وحلاوة سكبته الطيبه، وتذكر المنبر عند قطع الماء أوقاته بالروضه، وتكدرت أفراحه لما ذكر أيامه بتلك الغيضه، وأنشد لسان حاله: [من الكامل]
لو أن مشتاقا تكلّف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر
وودّت العروس أن تكون مجاورة لحماتها، لتبلّ ريقها برحيق الأمن إذا نظرت إلى عاصي المحمدية وقد دخل إلى جنّاتها، ونظرت إلى فوّار أبي نواس وقد انقطع قلبه بعد ما كان يثب ويتجرّا، وكاد أن ينشد من شعره لعدم الماء «ألا فاسقني خمرا» ، ودخلت إلى الكلاسة وقد علا بها غبار الحزن فتنهدت من الأسف على كل ناهده، ورثيت [3] النساء وقد فقدن بعد تلك الأنعام المائده. واستطردت إلى باب البريد فوجدت خيول الماء الجارية قد قطعت عن تلك المراكز، ونظرت إلى السراج الأكبر وقد انعقد لسانه لما شعر من
(1) ما بين النجمتين ساقط من قا، ها.
(2) نارها: قا: نهارها.
(3) رثيت: تو، ها: زينت طب، ق: كلمة مهملة تماما.