ممدوح الماء بعد تلك الجوائز، ونظرت إلى أهل الصلاة وعليهم في هذه الواقعة من الصبر دروع، وقد استعدوا بسهام من الأدعية أطلقوها عن قسي الركوع: [من الطويل]
مريّشة بالهدب من جفن ساهر ... منصّلة أطرافها بدموع
ونظرت إلى الريان من العلم وقد اشتدّ لفقد الماء ظماه، وتبلد ذهنه حتى صار ما يعرف من أين الطريق إلى باب المياه، ومشيت بحكم القضاء إلى الشهود فوجدت كلا منهم قد راجع سهاده وطلّق وسنه، وتأملت أهل الساعات وقد صار عليهم كل يوم بسنه. ونزلت في ذلك الوقت من الساعات إلى الدرج في دقيقه، فانتهيت إلى مجاز طريق الفوّار فوجدته كأن لم تكن له حقيقه. كم وردته وهو كأنّه سنان يطعن في صدر الظماء، أو شجرة [1] كدنا نقول أنها طوبى لما ظهرت وأصلها ثابت وفروعها في السماء، أو معترف بندى الماء وقد أفاض عليه عطاياه فيضا، فرفع له لأجل [2] ذلك فوق قناته راية بيضا، أو عمود وفاء أشارت الناس إليه بالأصابع، أو ملك طالب السماء بودائع حتى كان إكليل الجوزاء له من جملة الودائع، أو أبيض طائر علا حتى قلنا أنه يلتقط حبات النجوم الثواقب، أو شجاع ذو همّة عالية يحاول ثأرا عند بعض الكواكب. فخفض لفقد الماء مناره، وخفي بعد ما كان «أشهر من علم» ، وجذع أنفه وطالما ظهر وفي عرنينه شمم: [من الخفيف]
لست أنسى الفوّار وهو ينادي ... غيض مائي وعطّل الدهر حالي
فتمنيت من لهيّى بأنّي ... أشتري غيضه بروحي ومالي
فلا والله ما كانت إلا أيسر مدة حتى رجع الماء إلى مجاريه وابتسم ثغر دمشق عن شنب الريّ، بعد ما نشف ريقه في فيه.
هذا وقد خمدت نار الحرب وقعدت بعد ما قامت على ساق وقدم، وبطلت آلتها التي كان لها على تحريك الأوتار وجس العيدان نغم، واعتقل الرمح بسجن السلم وعلى رأسه لواء الحرب معقود، وهجعت مقل السيوف في أجفانها لما علمت أنّ الزيادة في الحد نقص في المحدود، وفاضت غدران الرحمة على رياض الأمن فظهر لها من المسرة نبات حسن، فالحمد لله الذي أذهب عنا الحزن.
(1) شجرة: تو، ها، قا: كشجرة.
(2) لأجل: قا: بعد.