وكان في البين ما كفاني ... فكيف بالبين والغراب
يا مولانا لقد قرعت سنّ هذا الثغر بأصابع السهام، وقلع منه ضرس الأمن ولم يبق له بعد ما شعر به البين نظام، وكسرت الحرب بين ثناياه عن أنياب، واقتلعنا منه مع أنهم لم يتركوا لنا فيه ثنيّة ولا ناب، وأمست شهب الرماح قافية على آثارنا والسابق السابق منا الجواد، ولزمت الرّويّ من دمائنا لأن لا يظهر لقافيتها عند نظم الحرب سناد، وفسد انسجام تلك الأبيات المنظومة على ذلك البحر المديد، وبدّلت جنتها بنار الحرب التي كم
تقول لها: «هل امتلأت؟» وتقول: «هل من مزيد؟» ، ونفذ حكم القضاء وكم جرّح خصم السيف في ذلك اليوم شهودا، واتصل الحكم بقضاة القضاة فلم يسلم منهم إلا من كان مسعودا، ووقع غالبنا في القبض من عروض حربهم الطويل، وتبدّلت محاسن طرابلس الشام بالوحشة فلم نفارقها على وجه جميل. * وتالله لم يدخلها المملوك في هذه الواقعة إلا مكرها لا بطل * [1] ، وكم قلت لسارية العزم لما كشفت لي عن ضيق سهلها: «يا سارية الجبل» [2] . ورام المملوك أن يتنصّل من انتظامه في هذا السلك جملة كافيه، فقال له لسان الحال عند نظم هذه الكاينة: «جرّتك القافيه» ، ولم يطلق المملوك عروس حماته إلا جبرا أظهر به كسره، والعلوم الكريمة محيطة كيف يكون طلاق المكره.
يا مولانا: [من الطويل]
بوادي حماة الشام عن أيمن الشطّ ... وحقك تطوى شقّة الهمّ بالبسط
بلاد إذا ما ذقت كوثر مائها ... أهيم كأني قد ثملت بأسفنط
ومن يجتهد في أنّ بالأرض رقعة ... تشاكلها قل أنت مجتهد مخطي
وصوب حديثي مائها وهوائها ... فإن أحاديث الصحيحين ما تخطي
بمعصمها إن دار ملوي سوارها ... فما الشام بالخلخال أو مصر بالقرط
تنظّم بالشطّين درّ ثمارها ... عقودا لها العاصي رأيناه كالسمط
وترخي علينا للغصون ذوائبا ... يسرّحها كفّ النسيم بلا مشط
ومذ مدّ ذاك النهر ساقا مد ملجا ... وراح بنقش النبت يمشي على بسط
لوينا خلاخيل النواعير فالتوت ... وأبدت لنا دورا على ساقة السبط
سقى سفحها إن قل دمعي سحابة ... مطبة بالدمع منهلّة النقط
ويا أسطر النبت التي قد تسلسلت ... بصفحتها لا زلت واضحة الخط
ولا زال ذاك الخط بالظل معجما ... ومن شكل أنواع الأزاهر في ضبط
لويت عناني في حماها عن اللّوى ... وهمت بها لا بالمحصّب والسقط
ولذّ عناق الفقر لي بفنائها ... وفي غيرها لم أرض بالملك والرهط
منازل أحبابي ومنبت شعبتي ... وأوطان أوطاري بها ورضى سخط
(1) ما بين النجمتين ساقط من قا، ها.
(2) قول مأثور عن الخليفة عمر بن الخطاب، يوجهه إلى سارية بن زنيم الدؤلي وكان أميرا لجيش المسلمين أثناء حصار فسا ودرابجرد. ترجمته في الوافي 15/ 75رقم 97.