نعمت بها دهرا ولكن سلبته ... برغمي وهذا الدهر يسلب لا يعطي
وقد جاء شرط البين أني أغيب عن ... حماها لقد أدمى فؤادي بالشرط
وحطّ عليّ الدهر عمدا وشالني ... إلى غيرها صبرا على الشّيل والحط
وسبحة جمع الشمل كانت لنا بها ... منظّمة لكن قضى الدهر بالفرط
أمثّل شوقا شكلها في ضمائري ... فتتبع عيني ذلك الشكل بالنقط
وقد صار يمشي الهم نحوي مسرعا ... فيا ليته لو كان في مشيه يبطي
وأصبح نظمي راجعا إلى ورى ... كأني في الديوان أكتب بالقبطي
فما هذه المحن التي توالت على أهل الأدب بعد زوال فخرها، ولكن أدام الله مجدها، وأنار شهابها، وأقمر ليالي بدرها.
يا مولانا وأبتك ما لاقيت من أهوال البحر وأحدّث عنه ولا حرج. فكم وقع المملوك من أعاريضه في زحاف [1] فقطع منه القلب لما دخل إلى دوائر تلك اللّجج، وشاهدت منه سلطانا جائرا، {يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [2] ، ونظرت إلى الجواري الحسان وقد رمت أزر قلوعها وهي بين يديه لقلة رجالها [3] تسبى. فتحققت أن رأي من جاء يسعى في الفلك جالسا غير صائب، واستصوبت هنا رأي من جاء يمشي وهو راكب، وزاد الظماء بالمملوك وقد اتخذ في البحر سبيله، وكم قلت من شدة الظمأ: «يا ترى قبل الحفرة هل أطوي من البحر هذه الشقة الطويله؟» : [من البسيط]
وهل أباكر بحر النيل منشرحا ... وأشرب الحلو من أكواب ملّاح؟
بحر تلاطمت علينا أمواجه حين متنا من الخوف وحملنا على نعش الغراب، وقامت واوات دوائره مقام مع قصبتنا للغرق لما استوت المياه والأخشاب، وقارن العبد فيه سوداء [4] استرقّت موالينا وهي جاريه، وغشيهم في اليمّ منها ما غشيهم: {هَلْ أَتََاكَ حَدِيثُ الْغََاشِيَةِ} [5] ، واقعتها الحرب فحملت بنا ودخلها الماء فجاءها المخاض، وانشق
(1) زحاف: نب: زخارف.
(2) سورة الكهف 18/ 79.
(3) رجالها: ق، قا، ها: رجائها.
(4) سوداء: طب: سوادا.
(5) سورة الغاشية 88/ 1.