فهرس الكتاب

الصفحة 507 من 604

قلبها لفقد رجالها [1] وجرى ما جرى على ذلك القلب فغاض، وتوشّحت بالسواد في هذا المأتم وسارت على البحر وهي مثل، وكم سمع منها للمغاربة على ذلك التوشيح زجل، برج مائيّ ولكن تعرب في رفعها وخفضها عن النسر والحوت، تتشامخ كالجبال وهي خشب مسنّدة من تبطّنها عدّ من المصبّرين في تابوت، تأتي بالطباق ولكن بالمقلوب لأنّ صغيرها كبير وبياضها سواد، وتمشي على الماء وتطير مع الهواء وصلاحها عين الفساد، إن نقّر الموج على دفوفها لعبت أنامل قلوعها بالعود، وترقصنا على آلتها الحدباء فتقوم قيامتنا من هذا الرقص الخارج ونحن قعود، تتشامم وهي كما قيل أنف في السماء وإست في الماء. وكم نطيل الشكوى إلى قامة صاريها عند الميل وهي الصعدة الصماء، فيها الهدى وليس لها عقل ولا دين، وتتصابى إذا هبّت الصّبا وهي ابنة مائة وثمانين وتوقف أحوال القوم وهي تجري بهم في موج كالجبال، وتدّعي براءة الذمة وكم استغرقت لهم من أموال. هذا وكم ضعف نخيل خصرها عن تثاقل أرداف الأمواج، وكم وجلت القلوب لما صار لأهداب مجاذيفها على مقلة البحر اختلاج. وكم أسبلت على وجنته طرّة قلعها فبالغ الريح في تشويشها، وكم مرّ على قريتها العامرة فتركها وهي خاوية على عروشها. تتعاظم فتهزل إلى أن ترى ضلوعها من السقم تعدّ. ولقد رأيتها بعد ذلك قد تبّت وهي {حَمََّالَةَ الْحَطَبِ، فِي جِيدِهََا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ،} [2] .

وخلص المملوك من كدر المالح إلى النيل المبارك فوجده من أهل الصفا، وإخوان الوفا، وتنصّل من ذلك العدو الأزرق الذي ما برح باطنه وهو كدر، وجمع من عذوبة النيل ونضارة شطوطه من عين الحياة والخضر، ووصل بعد عدم القرار من بحريه إلى ذات قرار ومعين وقضى الأمر وقيل: {بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظََّالِمِينَ} [3] . وتلا لسان الحال على المملوك وأصحابه: {ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شََاءَ اللََّهُ آمِنِينَ} [4] .

وبعد، فالمملوك يسأل الإقالة من عثرات هذه الرسالة، فقد علم الله أنها صدرت من فكر تركه البين مشتّتا، والإغضاء عن كثرة بردها فقد خرجت من البحر عارية في أيام الشتا. وليستر عوراتها بستائر الحلم، وينظر إليها من الرحمة بعين. وليكن ضربها بسيف

(1) رجالها: تو، ها: حالها.

(2) سورة المسد 111/ 54.

(3) سورة المؤمنون 23/ 41.

(4) سورة يوسف 12/ 99.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت