يقبل الأرض وينهي أنه آمن ببلاغة هذه الرسالة وصدق الرسول، وكيف لا وقد جاءه بالكتاب وعليه السكينة والقبول، وشهد بأنه مثال مثالها الكريم لم يوجد، وأقر لها طوعا وكيف لا يقر برسالة محمد: [من الطويل]
وصدّق لمّا أن رأى معجزاتها ... وقال بقلب في هواكم موحّد
سمّيت أبا بكر فلا تتعجّبوا ... إذا كنت صدّيقا لقول محمد
ونظر المملوك إلى مولانا وقد استسنّ كلّ سنة حسنة من أنواع بديعه في فصل ذلك الخطاب، وأرسلها كتابا مبينا مع رسوله الذي هدينا برسالته إلى الصواب. فتحسب المملوك بالرسول وتمسّك بالكتاب وتناوله بعد وضعه على الرأس باليمين، وقال عند قراءته: «هذا هو السحر الحلال الذي نفث في عقد أقلام المنشئين» ، واستجلى عروس إنشائه وهي مكتبة بتلك السطور، وتأمل ارتفاع طور مناجاتها في سطور كتابها فعوّذها بالطور وكتاب مسطور، ودخل إلى بيت شعرها العامر بالمحاسن فعوّذه بالبيت المعمور، ونسي المملوك سجع المطوّق حين هيجت بلابله سجعات هذا الأدب، وهمنا حتى كأنّنا حين ملنا عند سماعنا من الطرب: [من الطويل]
سمعنا حمام الدّوح في روضة غنّى ... فأذكرنا ربع الحبايب والمغنى [1]
وتعبّد المملوك لما دخل إلى جوامع الكلم التي صلت أقلام البلاغة من طرسها الزاهر في أجلّ محراب، وشكرت الباري وسجدت شكرا لما تحققت أن مولانا إمام الإنشاء والكتاب، وطلب أن يتطفّل على خطّابها فخرست ألسن أقلامه، وانتثر عقد نظامه، وقالت له الطروس: «لا تطل فما عوارض سطورك هي العوارض التي تدور على هذه الخدود، ولا تطمع بورود هذا المنهل فما على منثور كلامك الصادر [2] رونق الورود، وبماذا تخاطب [3] من لو عاصره قاضي الأدب لكان له من جملة الشهود؟» وأنشد وقد تقلد ألفاظه مننا في عنقه حيث تحقق أنها عقود: [من مجزوء الرمل]
يا ملوك الفضل إنّ الح ... قّ حق مستبين
أنا سلطان المعاني ... والخليفة الأمين [4]
(1) الحبائب والمغنى: قا: الحبيب مع المغنى.
(2) الصادر: تو، قا، ها: الصادق.
(3) وبماذا تخاطب: ق: وبماذا يخاطب ها: وبهذا تخاطب.
(4) عجز البيت مضطرب.