فهرس الكتاب

الصفحة 540 من 604

يا أخا الأدب ما الأدب إلا هبة إلاهيه، وملكة ملكيه، إذا جليت بدوره في مطالع الصدور جلت الظلمه، وحسبك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن من البلاغة لسحرا، وإن من الشعر لحكمه» [1] ، وبالله أقسم ما سمعت شيئا من طيب الأدب إلا خلب لبّي، وأخذ بمجامع قلبي: [من الوافر]

ومن حضر السماع بغير قلب ... ولم يطرب فلا يلم المغنّي

وبعد، فيا ويح سكران وجد لم يمل وهو إلى حبه ثائر، وأف لبدوي لم يطربه ذكر حاجر.

وحكى صاحب الأغاني أن رجلا أدّى شهادة عند بعض القضاة فقال له القاضي:

«هل يعرفك أحد من ذوي العدالة؟» فقال: «نعم فلان» فلما حضر قال له القاضي: «هل تعرف هذا؟» فقال: «نعم أعرفه عدلا رضى وما ذاك إلا أني سمعته ينشد لجرير: [2] [من الكامل]

إنّ الذين غدوا بلبّك غادروا ... وشلا بعينك لا يزال معينا

غيّضن من أبصارهن [3] وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا

فعلمت أن هذا لا يرسخ إلا في قلب مؤمن».

وذكر القاضي شمس الدين ابن خلكان في تاريخه [4] أن إبراهيم الموصلي النديم مات سنة ثمان وثمانين ومائة ومات في يوم موته الكسائي النحوي والعباس بن الأحنف، فرفع ذلك إلى الرشيد [فأمر المأمون أن يصلّي عليهم] فقصد الصلاة عليهم فلما مثّلوا بين يديه قال: «من هذا الأول؟» فقيل: «إبراهيم الموصلي» فقال: «أخّروه، وقدّموا العباس ابن الأحنف» فقدّم فصلى عليه، ولما فرغ وانصرف، دنا منه هاشم بن عبد الله [بن مالك] الخزاعي [فقال] : «يا أمير المؤمنين كيف آثرت [العباس بن] [5] الأحنف بالتقدمة على من حضر؟» فقال: «لقوله: [من الكامل]

(1) مسند أحمد بن حنبل، حيث يرد الحديث في صياغات مختلفة منها: الأرقام 2761، 3025، 3068 وسواها.

(2) «ديوان جرير» ج 1ص 386.

(3) أبصارهن: نفس المرجع: عبراتهن. وفي هامش الأصل من الديوان: قيّضن نقضن.

(4) «وفيات الأعيان» لابن خلكان ج 2ص 231.

(5) ما بين الحاصرتين زيادات أخذت من وفيات الأعيان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت