وسعى بنا قوم فقالوا إنها [1] ... لهي التي تشقى بها وتكابد
فجحدتهم ليكون غيرك ظنّهم ... إني ليعجبني المحبّ الجاحد»
ثم قال له: «هل تحفظها؟» قال: «نعم يا أمير المؤمنين» فقال: «أليس من قال هذا الشعر [2] أولى بالتقديم؟» [3] فقال له: «بلى والله يا سيدي» وناهيك أنه قضي لحسّان ببيتين بالجنة مرتين، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لا فضّ فوك» [4] وصح في الصحيحين. وما ألطف الشيخ زين الدين ابن الوردي رحمه الله تعالى في قوله:
«ولعمري ما أنصفني من أساء بي الظن» ، وقال: «إني رضيت مع درجة العلم بهذا الفن» ، والصحابة [5] كانوا ينظمون وينثرون، ونعوذ بالله من قوم لا يشعرون.
وبعد، فهذه أوراق في رياض الأدب زاهره، بل نجوم في سماء البلاغة زاهره، وكنت قد حلّيت بها أوراقا متفرّقة بغير رابطه، فأشار بعض المخاديم بجمعها فنظمتها عقدا لما حصل لها هذه الواسطه، وما أحقها بقول القائل: [من الخفيف]
هذه للقلوب قوت وللأس ... ماع قرط وللواخط قرّه
فاستميلوا عقودها واكتبوها ... بسواد العيون فوق المجرّه
جمعتها وقد قرع السنّ قارع الأربعين، خيفة من حلول الأجل ومسابقة الحين في هذا الحين، لعلمي أن القريحة في هذا الزمن الخامل والفن الكاسد، لم تصل إلى أكثر من هذه المقاصد، ولكن نسجت في شعري على منوال قوم حلّوا بالتورية أشعارهم، وجعلوا أنواع البديع في النظم شعارهم، منهم النباتي بحلاوته، والوردي [6] بنضارته، وابن الصائغ بحسن سبكه وصياغته، وابن الصاحب بديوانه، وابن عبد الظاهر بقوة سلطانه، والسرّاج بنور مشكاته، وابن تميم بفصيح لغاته، والمعمار بقواعد أبياته، والحمامي بانشراح صدره، وابن الساعاتي بدقائق نظمه ونثره، والشهاب بثاقب فكره، والشريف بنسيب شعره، والقيراطي بتحرير أوزانه، والزغاري بوصف غزلانه،
(1) المصدر السابق: وسعى بها ناس وقالوا إنها
(2) الشعر: تو: النظم ها: الشطر نب: القول.
(3) بالتقديم: وفيات الأعيان: بالتقدمة.
(4) لا فض فوك: قا، ها: لا فض الله فاك.
(5) والصحابة: قا: والصحابة رضي الله عنهم. الوردي: قا، ها: ابن تميم.
(6) الوردي: قا، ها: ابن تميم.