فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 408

انخرطت في التيار الليبرالي أثناء دراستي في الجامعة وبما أننا ندعوا إلى"الحرية الوقحة"حدثت بعض المصادمات مع الأجهزة الأمنية فتم توقيفي على إثر قضية أمن دوله بتهمة"تقويض الأمن الداخلي للبلد"الغريب أن كل الأمور ظاهريا ميسرة فالكل متعاون معك لدرجة أنه بمجرد دخولي النيابة تم توكيل خمسة محامين للدفاع عني, اثنان منهم من منظمة العفو الدولية وآخران من جمعية حقوق الإنسان، بل إن وجبة الغداء في ذلك اليوم كانت ما لذ وطاب.

ولكن مع من؟ مع وكيل النيابة ومساعديه والمحامين وأفراد الحماية من أمن الدولة على طاولة واحده ... تخيل!! كل ذلك من أجل أني"ليبرالي"محسوب على الحركة العلمانية في البلد، ووصلت خدماتهم لي أن أدخلوا لي"جوال"داخل زنازين أمن الدولة وقمت بالاتصال بأهلي وطمانتهم أن الأمور طيبة ولا داعي للقلق فالحكومة بسلطاتها الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية مسخرة لخدمتي والسهر على راحتي .. مع هذا كله ومع أني لم أمكث في أمن الدولة سوي ثلاثة أيام كنت محطما داخليا فأنا لا أحمل قضية حقيقية حتي أني بيني وبين نفسي أشعر بتناقض كبير متعب، فمع أني من أعضاء الحركة العلمانية في الجامعة كنت مع ذلك أنظر باحترام وتقدير للمنتمين للتيار الإسلامي بل كنت أغبطهم على ذلك لأنهم ببساطة يملكون قضية في نظري تستحق أن تضحي من أجلها ..

شعور غريب لم أجده إلا في قصة"هرقل"مع أبي سفيان فبعد معرفة هرقل حقيقة بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وتمنيه بقوله"ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه"مع ذلك آثر الملك والظلال الذي يعرف أنه ظلال ولكنه الركون للدنيا الذي لا يأتي بخير دائما، أرجع إلى الفكرة التي أردت أن أوصلها إليك فمع كون جميع الأمور مسخرة لي كنت محطما داخليا ومع أن فترة احتجازي لم تطل أكثر من ثلاثة أيام ولكنها مرت علي كأنها ثلاثة سنين مليئة بالكآبة والخوف، أما في الأسر فجميع الأمور كان ظاهرها ضدي"أمن دولة - النيابة - القضاء - الإعلام - علماء السوء - السواد الأعظم من الناس الملبس عليهم"خاصة إن كنت من أصحاب الأعمال الداخلية كما يسمونها فهذه الأعمال مكروهة عندهم لأنها تؤثر على وظائفهم ومصالحهم التجارية.

كل تلك العوامل كانت ضدي ومع ذلك أحمل من الثبات والعزة واليقين ما الله به عليم ومع أني مضى علي سنوات في الأسر ولكنها مرت كأنها أيام نعم هناك مرارة ولكن بطعم حلو ..

هناك ألم لكن بلطف ..

هناك دموع ولكن .. من الخشوع لا من الخضوع ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت