التقيت ببعض الإخوة في السجن ممن دخلوا في محاولة"انقلاب عسكري"في البلد لإسقاط نظام الحكم، فبعد نقاش طويل اتضح لي الآتي: أن الانقلابين لو سلمنا وقلنا أنهم ينطلقون من منطلق شرعي"مسألة البقاء في السلك العسكري تحت حكم الطاغوت"بما أنهم يعتمدون غالبا على كبار ضباط الجيش لتنفيذ الانقلاب ولو قلنا أن طريقتهم أيسر وأحقن لدماء المسلمين ولو قلنا أن طريقتهم أحفظ لمقدرات المسلمين وممتلكاتهم من الدمار ولو قلنا ... ولو قلنا .. ولو قلنا .. يبقى سؤال واحد مهم وجوهري وحاسم: هل هذا هو طريق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، أين الصدع بالحق وتحقيق التوحيد، أين البلاء والصبر عليه، بل أين الجهاد؟
دولة إسلامية ... إسلامية فجأة .. هكذا فجأة وسط كل هذا الهول والركام من الباطل وأي باطل .. باطل من العيار الثقيل جاهلية عمياء في كل شيء، وسط هذه الفوضى تريد أن تقيم"دولة إسلامية"بلا دماء ولا أشلاء ولا شهداء.
هب أن الانقلاب نجح ما الفوائد التي خرجت بها الأمة من هذه التجربة؟
إن تغيير قناعات الناس وتعليمهم أن ما كانوا عليه وما تعايشوا تحته باطل أعني المحاكم الوضعية - المناهج - الدول الصديقة .. إلى آخر هذا الغثاء، أقول تعليمهم أن هذا باطل ويجب تغييره لا يأتي بسهولة هكذا في يوم وليلة إلا أن يشاء الله تعالى، ماذا قدمتم لهم حتى يتمسكوا بالمنهج الجديد، هم سيقارنون بين ما كانوا عليه وما أتيتم به، وغالبا ستقودهم عقولهم إلى أن يقولوا هؤلاء متشددون سيقطعون يد السارق ويجلدون من يشرب الخمر ويمنعون الحفلات الغنائية .. إلخ.
فمسألة نقلهم إلى واقعهم الجديد من دون خوضهم لتجربة تنقيهم من شوائب المجتمع الجاهلي، هذه النقلة ستؤدي إلي اصطدام عنيف بين الشعب وقادة الانقلاب، فالشعب يرى أنه قد ضيق عليه ولسان حاله يقول"رحمة الله على أيام زمان"وعندما يحدث الاصطدام فمن السهل وقتها أن يجد الشعب"قادة جدد"بنفس المواصفات السابقة.
وللشيخ عبد الله عزام رحمه الله كلام حول هذا الموضوع حيث ذكر في كتابه في السيرة عبرة:"ومن هنا فالانقلابات العسكرية لا تنشيء دولة إسلامية، لأن الانقلاب العسكري يتم في ساعة واحدة، وفي ليلة واحدة، وببيان واحد"وخرج الشيخ أبو مصعب السوري بنفس النتيجة من خلال تحليلاته لتجربة الجهاد في